ابن كثير

411

البداية والنهاية

قال " لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها . الأنصار شعار والناس دثار ( 1 ) ، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " . ورواه مسلم من حديث عمرو بن يحيى المازني به وقال يونس بن بكير ، عن محمد ابن إسحاق ، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش ، وسائر العرب ما قسم ولم يكن في الأنصار منها شئ قليل ولا كثير ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم ، حتى قال قائلهم : لقي والله رسول الله قومه ، فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ؟ فقال " فيم ؟ " قال : فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ، ولم يكن فيهم من ذلك شئ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ " قال : ما أنا إلا امرؤ من قومي ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ، فإذا اجتمعوا فاعلمني " فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فاذن له فدخلوا وجاء آخرون فردهم ، حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال : يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : " يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ " قالوا : بلى ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا تجيبون يا معشر الأنصار ؟ " قالوا : وما نقول يا رسول الله ؟ وبماذا نجيبك ؟ المن لله ولرسوله قال : " والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريدا فأويناك ، وعائلا فآسيناك ، وخائفا فأمناك ، ومخذولا فنصرناك " فقالوا : المن لله ولرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الاسلام ، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب ( 2 ) الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ( 3 ) ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " قال : .

--> ( 1 ) قال أهل اللغة : الشعار الثوب الذي يلي الجسد ، والدثار فوقه . ومعنى الحديث أن الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء . وألصق الناس بي من سائر الناس . ( 2 ) قال الخليل : الشعب هو ما انفرج بين جبلين ، وقال ابن السكين ، هو الطريق في الجبل . والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم أراد أنه مع الأنصار قال الخطابي : ويحتمل أنه يريد بالشعب - الوادي - أي المذهب . ( 3 ) قال الخطابي : أراد : تأليف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم . وقال القرطبي : معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم لما كانوا يتناسبون بالحلف ، لكن خصوصية الهجرة وترتيبها سبقت فمنعت ما سوى ذلك ، وهي أعلى وأشرف فلا تبدل بغيرها .