ابن كثير

349

البداية والنهاية

فإنه لابد منه للدفن والبيوت ؟ فسكت ثم قال " إلا الإذخر فإنه حلال " وعن ابن جريج أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري - عن عكرمة عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا . ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تفرد به البخاري من هذا الوجه الأول وهو مرسل ، ومن هذا الوجه الثاني أيضا . وبهذا وأمثاله استدل من ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة ، وللوقعة التي كانت في الخندمة كما تقدم . وقد قتل فيها قريب من عشرين نفسا من المسلمين والمشركين وهي ظاهرة في ذلك وهو مذهب جمهور العلماء . والمشهور عن الشافعي أنها فتحت صلحا لأنها لم تقسم ، ولقوله صلى الله عليه وسلم ليلة الفتح " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل الحرم فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن " وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى . وقال البخاري : ثنا سعيد بن شرحبيل ثنا الليث عن المقبري عن أبي شريح الخزاعي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة : إئذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به ، أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرا فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب " فقيل لأبي شريح ماذا قال لك عمرو ؟ قال : قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا نارا بدم ، ولا نارا بخربة ( 1 ) . وروى البخاري أيضا ومسلم عن قتيبة عن الليث بن سعد به نحوه . وذكر ابن إسحاق أن رجلا يقال له ابن الأثوغ قتل رجلا في الجاهلية من خزاعة يقال له أحمر بأسا ( 2 ) ، فلما كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الأثوغ وهو بمكة قتله خراش بن أمية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل لقد كثر القتل إن نفع لقد قتلتم رجلا لأدينه " قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي عن سعيد بن المسيب قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية قال " إن خراشا لقتال " وقال ابن

--> ( 1 ) بخربة : من البخاري ، وفي الأصل بجزية تحريف . والخربة بفتح الخاء واسكان الراء ، وأصلها سرقة الإبل ، وتطلق على كل خيانة . قال أبو عبد الله : الخربة : البلية ، وقال الخليل : هي الفساد في الدين من الخارب ، وهو العاصي المفسد في الأرض . والحديث أخرجه البخاري في كتاب المغازي الحديث 4925 ورواه في كتاب الحج - باب لا يعضد شجرة الحرم ، عن قتيبة . ومسلم في ( 15 ) كتاب الحج ( 82 ) باب تحريم مكة وصيدها ( ح‍ : 446 ) . ( 2 ) أحمر بأسا : قال أبو ذر اسم مركب كتأبط شراء . وابن الأثوغ في ابن هشام ابن الأثوع وفي الواقدي : جنيدب بن الأدلع الهذلي .