ابن كثير
330
البداية والنهاية
إلى دقة ساقي ابن مسعود وهو يرقى في الشجرة فيضحكون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعجبون من دقة ساقيه فوالذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد " وكان ابن مسعود ما اجتنى من شئ جاء به وخياره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في ذلك : هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه ( 1 ) وفي الصحيحين عن أنس قال : أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا فأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها ، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذيها فقبله . وقال ابن إسحاق : ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، وقد عميت الاخبار عن قريش ، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعل ، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الاخبار وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به ( 2 ) . وذكره ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بين يديه عيونا خيلا يقتصون العيون وخزاعة لا تدع أحدا يمضي وراءها ، فلما جاء أبو سفيان وأصحابه أخذتهم خيل المسلمين وقام إليه عمر يجأ في عنقه حتى أجاره العباس بن عبد المطلب وكان صاحبا لأبي سفيان ( 3 ) . قال ابن إسحاق : وقال العباس حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، قلت : وا صباح قريش ! والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر ، قال فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء ، فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت : لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة ، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة ، قال : فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له ، إذ سمعت كلام أبي سفيان ، وبديل بن ورقاء ، وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا . قال يقول بديل : هذه والله خزاعة حمشتها الحرب ، قال يقول أبو سفيان : خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها . قال فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة ؟ فعرف صوتي ، فقال أبو الفضل ؟ قال قلت : نعم ، قال مالك فدى لك أبي وأمي ؟ قال قلت : وحيك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، فقال : وا صباح قريش والله ، فما الحيلة فداك أبي وأمي ؟ قال قلت : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك ، قال فركب خلفي ورجع صاحباه ( 4 ) . وقال عروة : بل ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما وجعل يستخبرهما
--> ( 1 ) دلائل النبوة للبيهقي 5 / 29 ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 317 وقال : صحيح الاسناد ولم يخرجاه . وقال الذهبي : صحيح . ( 2 ) سيرة ابن هشام ج 4 / 42 . ( 3 ) الخبر نقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 36 . ( 4 ) سيرة ابن هشام 4 / 44 .