ابن كثير

305

البداية والنهاية

فدخلت عليه فسألني فأخبرته ، فبعث إلى الأسقف فدخل عليه - وكان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله - فلما قرأ الكتاب قال الأسقف : هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى الذي كنا ننتظر . قال قيصر فما تأمرني ؟ قال الأسقف أما أنا فإني مصدقه ومتبعه ، فقال قيصر : أعرف أنه كذلك ولكن لا أستطيع أن أفعل إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم . وبه قال محمد بن إسحاق عن خالد بن يسار عن رجل من قدماء أهل الشام قال : لما أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينية لما بلغه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم جمع الروم فقال : يا معشر الروم إني عارض عليكم أمورا فانظروا فيما أردت بها ؟ قالوا ما هي ؟ قال تعلمون والله إن هذا الرجل لنبي مرسل نجده نعرفه بصفته التي وصف لنا فهلم فلنتبعه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا فقالوا : نحن نكون تحت أيدي العرب ونحن أعظم الناس ملكا ، وأكثره رجالا . وأقصاه بلدا ؟ ! قال فهلم أعطيه الجزية كل سنة أكسر شوكته وأستريح من خربه بما أعطيه إياه . قالوا : نحن نعطي العرب الذل والصغار يخرج يأخذونه منا ونحن أكثر الناس عددا ، وأعظمه ملكا ، وأمنعه بلدا ، لا والله لا نفعل هذا أبدا ، قال فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية ويدعني وأرض الشام ، قال وكانت أرض سورية ، فلسطين والأردن ودمشق وحمص وما دون الدرب [ من أرض ] ( 1 ) سورية ، وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام ، فقالوا نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفت أنها سرة ( 2 ) الشام لا نفعل هذا أبدا ، فلما أبوا عليه ، قال : أما والله لترون ( 3 ) أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم . قال ثم جلس على بغل له فانطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام ثم قال : السلام عليك يا أرض سورية تسليم الوداع ، ثم ركض حتى دخل قسطنطينية . والله أعلم . إرساله صلى الله عليه وسلم إلى ملك العرب من النصارى بالشام قال ابن إسحاق : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب أخا بني أسد بن خزيمة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق ( 4 ) . قال الواقدي : وكتب معه ، سلام على من اتبع الهدى وآمن به ، وأدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك . فقدم شجاع بن وهب فقرأه عليه فقال : ومن ينتزع ملكي ؟ إني سأسير إليه .

--> ( 1 ) من الطبري . 3 / 88 . ( 2 ) من الطبري 3 / 88 وفي الأصل : أنها أرض سوريا والشام . ( 3 ) من الطبري وفي الأصل : لتودن . ( 4 ) في سيرة ابن هشام : وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ، ملك تخوم الشام . وفي رواية ابن هشام : بعث شجاع بن وهب إلى جبلة بن الأيهم الغساني ( السيرة 4 / 254 ) .