ابن كثير
301
البداية والنهاية
الذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه ، فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم أمر بها فأشرحت ( 1 ) عليهم واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف فقال : يا معشر الروم إنه قد جاءني كتاب أحمد وإنه والله النبي الذي كنا ننتظر ومجمل ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته وزمانه ، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم فنخروا نخرة رجل واحد وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم ، فخافهم ، وقال : ردوهم علي فردوهم عليه فقال لهم : يا معشر الروم إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها لأنظر كيف صلابتكم في دينكم ؟ فلقد رأيت منكم ما سرني فوقعوا له سجدا ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا ( 2 ) . وقد روى البخاري قصة أبي سفيان مع هرقل بزيادات أخر أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من الصحيح ليعلم ما بين السياقين من التباين وما فيهما من الفوائد . قال البخاري قبل الايمان ( 3 ) من صحيحه : حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، ثنا شعيب ( 4 ) عن الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بايلياء ، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال : أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم نسبا ، قال : أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره . ثم قال لترجمانه : قل لهم : إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه ، [ قال ] فوالله لولا [ الحياء من ] ( 5 ) أن يؤثروا عني كذبا لكذبت عنه ، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم ؟ قلت هو فينا ذو نسب . قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟ قلت : لا قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا قال : فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم ، قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون ، قال : فهل يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت : لا ، قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا : قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها . قال : ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة ، قال : فهل قاتلتمونه ؟ قلت : نعم ، قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه ، قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة ، فقال للترجمان : قل له سألتك عن نسبه
--> ( 1 ) في البيهقي عن الزهري : فأشرجت عليهم : أي أغلقت . ( 2 ) نقل الخبر البيهقي عن ابن إسحاق عن الزهري في الدلائل 4 / 384 . ( 3 ) في كتاب بدء الوحي فتح الباري ج 1 / 26 . ( 4 ) شعيب : هو شعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي وهو من أثبات أصحاب الزهري . ( 5 ) ما بين معكوفين من البخاري .