ابن كثير

270

البداية والنهاية

النجاشي ، نكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد ، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا ، قالوا : هذا الرأي . قال : قلت : فاجمعوا ما نهديه له - وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الادم - فحملنا أدما كثيرا حتى قدمنا على النجاشي ، فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ( 1 ) ، فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن أمية ، ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك سرت قريش وكنت قد أجزأت عنها حتى قتلت رسول محمد ، فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع ، فقال : مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا ؟ قال : قلت : نعم أيها الملك ، أهديت لك أدما كثيرا . ثم قدمته فأعجبه وفرق منه شيئا بين بطارقته ، وأمر بسائره فأدخل في موضع ، وأمر أن يكتب ويحتفظ به ، فلما رأيت طيب نفسه قلت : أيها الملك ، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا ، قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله ، فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره ، فابتدر منخراي ، فجعلت أتلقى الدم بثيابي فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها فرقا منه ، ثم قلت أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك ، قال فاستحيا وقال : يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول [ رسول الله ] ( 2 ) من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى . والذي كان يأتي عيسى لتقتله ؟ قال عمرو : فغير الله قلبي عما كنت عليه ، وقلت في نفسي : عرف هذا الحق والعرب والعجم وتخالف أنت ؟ ثم قلت : أتشهد أيها الملك بهذا ؟ قال : نعم ، أشهد به عند الله يا عمرو فأطعني واتبعه ، فوالله إنه لعلى الحق ، وليظهرن على ( 3 ) من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده ، قلت أتبايعني له على الاسلام ؟ قال : نعم ، فبسط يده فبايعني على الاسلام ، ثم دعا بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا - وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم . فألقيتها - ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك ، وقالوا : هل أدركت من صاحبك ما أردت ؟ فقلت لهم : كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود إليه ، فقالوا : الرأي ما رأيت . قال : ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة فعمدت إلى موضع السفن ، فأجد سفينة قد شحنت تدفع ( 4 ) ، قال فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة ( 5 ) وخرجت من السفينة ومعي نفقة ، فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران ، ثم

--> ( 1 ) تقدم عن ابن إسحاق : انه جاء في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه . وقال السهيلي : أنه جاء بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الاسلام . ( 2 ) من الواقدي . ( 3 ) في الواقدي : على كل ذين خالفه . ( 4 ) في الواقدي : برقع ، ورقع جمع رقعة : شجرة عظيمة ( القاموس ) . ( 5 ) في الواقدي : الشعيية : وهي على شاطئ البحر بطريق اليمن ( معجم ما استعجم 2 / 184 ) .