ابن كثير
254
البداية والنهاية
وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قبل لنا به ، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قديد ، بعث الله من حيث شاء ماء ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا حالا ، وجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه ، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه ، ونحن نجد بها أو نحدوها - شك النفيلي فذهبنا سراعا حتى أسندنا بها في المسلك ، ثم حذرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا ( 1 ) . وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق في روايته عبد الله بن غالب ، والصواب غالب بن عبد الله كما تقدم . وذكر الواقدي هذه القصة باسناد آخر وقال فيه : وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا . ثم ذكر البيهقي من طريق الواقدي سرية بشير بن سعد أيضا إلى ناحية خيبر فلقوا جمعا من العرب وغنموا نعما كثيرا ، وكان بعثه في هذه السرية بإشارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وكان معه من المسلمين ثلاثمائة رجل ودليله حسبل بن نويرة وهو الذي كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر . قاله الواقدي ( 2 ) . سرية بني حدرد إلى الغابة قال يونس عن محمد بن إسحاق : كان من حديث قصة أبي حدرد ( 3 ) وغزوته إلى الغابة ما حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم ، عن أبي حدرد قال : تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم ، قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي فقال " كم أصدقت ؟ " فقلت : مائتي درهم ، فقال : " سبحان الله ! والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زدتم ، والله ما عندي ما أعينك به " فلبثت أياما ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له : رفاعة بن قيس - أو قيس بن رفاعة - في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذا اسم وشرف في جشم ، قال : فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين [ معي ] من المسلمين فقال " اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم " . وقدم لنا شارفا عجفاء ، فحمل عليه أحدنا ، فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم ، حتى استقلت وما كادت ، وقال " تبلغوا على هذه " فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية ، وأمرت صاحبي ، فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم ، وقلت لهما : إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر فكبرا وشدا
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام ج 4 / 257 ورواه البيهقي عنه في الدلائل ج 4 / 298 . والواقدي في المغازي ج 2 / 726 . ( 2 ) مغازي الواقدي ج 2 / 727 : وفيه سرية بشير بن سعد إلى الجناب سنة سبع . ونقله البيهقي عنه في الدلائل ج 4 / 301 . والجناب : من أرض غطفان ، وقال الحازمي : من بلاد فزارة . ( 3 ) هو أبو حدرد الأسلمي : اختلف في اسمه فقيل سلامة بن عمير بن سلامة . . كذا قال خليفة ، وقال علي بن المديني : اسمه عبيد . له ترجمة في الإصابة ( 4 / 42 ) .