ابن كثير
202
البداية والنهاية
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وكان عمر بن الخطاب يسير معه ليلا ، فسأله عمر بن الخطاب عن شئ ، فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، فقال عمر بن الخطاب ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك . قال عمر : فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين ، وخشيت أن ينزل في قرآن ، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي ، قال : فقلت : لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن ، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه ، فقال " لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب ألي مما طلعت عليه الشمس " ثم قرأ ( انا فتحنا لك فتحا مبينا ) ( 1 ) . قلت : وقد تكلمنا على سورة الفتح بكمالها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة ، ومن أحب أن يكتب ذلك هنا فليفعل . فصل في السرايا ( 2 ) التي كانت في سنة ست من الهجرة وتلخيص ذلك ما أورده الحافظ البيهقي ( 3 ) عن الواقدي : في ربيع الأول منها أو الآخر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى [ الغمر ، وفيهم ثابت بن أقرم وسباع بن وهب ، فأغذا السير ونذر القوم بهم ] ( 4 ) فهربوا منه ونزل على مياههم ، وبعث في آثارهم وأخذ منهم مائتي بعير فاستقاها إلى المدينة .
--> ( 1 ) أول سورة الفتح . والحديث أخرجه البخاري في 65 كتاب التفسير ، تفسير سورة الفتح ( ح : 4833 ) فتح الباري 8 / 582 . قال القرطبي في التفسير : اختلف في هذا الفتح ما هو ؟ وقال الرازي في تفسيره الكبير : في الفتح وجوه : أحدها فتح مكة وهو ظاهر . وهو مناسب لآخر ما قبلها ( آخر سورة محمد : ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) . فإن : إن كان المراد فتح مكة ، فمكة لم تكن قد فتحت ، فكيف قال تعالى ( فتحنا لك فتحا مبينا ) بلفظ الماضي ؟ فالجواب عنه من وجهين : أحدهما : فتحنا في حكمنا وتقديرنا . وثانيهما : ما قدره الله تعالى فهو كائن ، فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع له ، واقع لا رافع له . وقال العوفي ومجاهد : هو فتح خيبر . قال القرطبي : فتح الحديبية ، هو الأرجح . ( 2 ) السرايا : جمع سرية وهي الكتيبة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة نفر تبعث إلى العدو ، وسميت بالسرية من الشئ السري : النفيس حيث كان يتم اختيارهم من شجعان العسكر ومقدميهم . قال صاحب النهاية : سموا بذلك لأنهم ينفذون سرا ، وخفية وليس بالوجه لان لام السر راء وهذا ياء . ( 3 ) دلائل النبوة : في باب السرايا التي كانت في سنة ست من الهجرة فيما زعم الواقدي : ج 4 / 82 وما بعدها . ( 4 ) ما بين معكوفين بياض بالأصل واستدرك من الدلائل . وفي المواهب : إلى مرزوق . والغمر : ماء لبني أسد على ليلتين من فيد كما في طبقات ابن سعد . مغازي الواقدي 2 / 550 والبيهقي 4 / 83 واختصرها عنه .