ابن كثير
180
البداية والنهاية
يأكلك " أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . ثم أقبل على من حضره من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم . فسمع ذلك زيد بن أرقم ، فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال : مر به عباد بن بشر فليقتله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ! لا ولكن آذن بالرحيل . وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ، فارتحل الناس . وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم بلغه ما سمع منه ، فحلف بالله : ما قلت ما قال ، ولا تكلمت به وكان في قومه شريفا عظيما فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه : يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل حدبا على ابن أبي ودفعا عنه . فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار ، لقيه أسيد بن حضير ، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ، وقال : يا رسول الله ، والله لقد رحت في ساعة منكرة ، ما كنت تروح في مثلها . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ قال : أي صاحب يا رسول الله ؟ قال عبد الله بن أبي . قال : وما قال ؟ قال : زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل ، قال : فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال : يا رسول الله ارفق ، فوالله لقد جاءنا الله بك ، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا . ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ، ثم نزل الناس ، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما . وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس ، من حديث عبد الله بن أبي . ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع ، يقال له بقعاء . فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت على الناس ريح شديدة فآذتهم وتخوفوها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخوفوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار . فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان عظيما من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم ( 1 ) وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي . وروى مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر نحو هذه القصة ، إلا أنه لم يسم الذي مات من المنافقين : قال هبت ريح شديدة والنبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال هذه لموت منافق ، فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين . قال ابن إسحاق : ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبي ومن كان على مثل أمره ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن زيد بن أرقم وقال هذا الذي أوفى لله باذنه . قلت : وقد تكلمنا على تفسيرها بتمامها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا وسردنا طرق هذا
--> ( 1 ) الخبر في السيرة 3 / 303 - 304 مغازي الواقدي 2 / 424 والدرر لابن عبد البر 189 والبيهقي عنهما في الدلائل 4 / 56 ، 59 ، 60 . وعند ابن عقبة : أن الريح هبت لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعاء من طريق عمان .