ابن كثير
162
البداية والنهاية
قال : لما انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش ، كانوا يرون رأيي ، ويسمعون مني ، فقلت لهم : تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا ، وإني لقد رأيت أمرا فما ترون فيه . قالوا : وما رأيت قال : رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده ، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي . فإنا إن نكن تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد ، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير . قالوا : إن هذا الرأي . قلت : فاجمعوا لنا ما نهدي له ، فكان أحب ما يهدي إليه من أرضنا الادم فجمعنا له أدما كثيرا ، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه . فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر ( 1 ) وأصحابه . قال : فدخل عليه ثم خرج من عنده . قال : فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن أمية ، لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه ، فضربت عنقه ، فإذا فعلت رأيت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد . قال : فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع . فقال : مرحبا بصديقي هل أهديت لي من بلادك شيئا ؟ قال : قلت : نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا . قال ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه . ثم قلت له : أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك ، وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله ، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا . قال : فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره ، فلو انشقت الأرض لدخلت فيها فرقا . ثم قلت : أيها الملك ، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه . قال : أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى فتقتله ؟ قال : قلت أيها الملك أكذاك هو ؟ قال ويحك يا عمرو ، أطعني وأتبعه ، فإنه والله لعلى الحق ، وليظهرن على من خالفه ، كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده ، قال : قلت : أفتبايعني له على الاسلام ؟ قال : نعم ، فبسط يده فبايعته على الاسلام ، ثم خرجت على أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابي إسلامي . ثم خرجت عامدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم فلقيت خالد بن الوليد ، وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت أين أبا سليمان ؟ فقال والله لقد استقام الميسم ( 2 ) وان الرجل لنبي ، أذهب والله أسلم ، فحتى متى ؟ قال : قلت : والله ما جئت إلا لأسلم . قال : فقدمنا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ، ثم دنوت فقلت : يا رسول الله إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمرو بايع فإن الاسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها . قال : فبايعته ثم انصرفت . قال ابن إسحاق وقد حدثني من لا أتهم :
--> ( 1 ) في الواقدي : بعثه إليه بكتاب إليه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان . ( 2 / 742 ) . ( 2 ) الميسم : المكواة التي تكوى بها الإبل وتوسم . وفي رواية أبي ذر في شرح السيرة ، " المنسم " قال : " ومعناه تبين الطريق ووضح "