ابن كثير

157

البداية والنهاية

حليف لهم من أسلم . فخرجوا وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة ، فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا ، فلم يدعوا بيتا في الدار حتى أغلقوه على أهله . قال : وكان في علية له إليها عجلة ( 1 ) قال : فأسندوا إليها حتى قاموا على بابه ، فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته ، فقالت : من أنتم ؟ قالوا : أناس من العرب نلتمس الميرة . قالت : ذاكم صاحبكم فأدخلوا عليه . فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه . قال : فصاحت امرأته فنوهت بنا ، فابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا ، فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ( 2 ) ملقاة . قال : فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ، ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده ، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل . قال فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول : قطني قطني أي حسبي حسبي . قال : وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك سئ البصر قال : فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم ، فندخل فيه فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبونا ، حتى إذا يئسوا رجعوا إليه فاكتنفوه وهو يقضي . قال فقلنا : كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات ؟ قال : فقال رجل منا : أنا أذهب فانظر لكم . فانطلق حتى دخل في الناس قال : فوجدتها - يعني امرأته - ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول : أما والله قد سمعت صوت ابن عتيك ، ثم أكذبت نفسي وقلت : أني ابن عتيك بهذه البلاد . ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه فقالت : فاظ واله يهود ، فما سمعت كلمة كانت ألذ على نفسي منها . قال : ثم جاءنا فأخبرنا ، فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله ، واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه . قال : فقال : هاتوا أسيافكم ، فجئنا بها فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس : هذا قتله أرى ، فيه أثر الطعام . قال ابن إسحاق : فقال حسان بن ثابت في ذلك : لله در عصابة لاقيتهم * يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم * مرحا كأسد في عرين مغرف ( 3 ) حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف

--> ( 1 ) عجلة : جدع النخلة ينقر ويجعل كالسلم فيصعد عليه إلى العلالي . ( 2 ) قبطية : ثياب بيض تصنع في مصر . ( 3 ) من ابن هشام ، وفي الأصل : فوثبت يده وثبا . وثئت : أي أصاب عظمها شئ ليس بالكسر ، وهو وجع يصيب اللحم دون العظم . ( 4 ) مغرف : ملتف الأغصان .