ابن كثير

125

البداية والنهاية

حاجة يا ابنة عبد المطلب ( 1 ) . قال موسى بن عقبة وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة وأخذوا بكل ناحية حتى لا يدري ( 2 ) أتم أم لا قال : ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فقاتلوهم يوما إلى الليل ، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة ، فلم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : شغلونا عن صلاة العصر ملا الله بطونهم وقلوبهم وفي رواية وقبورهم نارا . فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول " والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا ، وأن يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة ، وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله " ( 3 ) . وقد قال البخاري : حدثنا إسحاق ، حدثنا روح ، حدثنا هشام ، عن محمد ، عن عبيدة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق " ملا الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس " ( 4 ) وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي به . ورواه مسلم والترمذي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن عبيدة عن علي به : وقال الترمذي حسن صحيح . ثم قال البخاري : حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال : يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب . قال النبي صلى الله عليه وسلم : والله ما صليتها . فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب ( 5 ) . وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من

--> ( 1 ) الخبر في سيرة ابن هشام ج 3 / 239 ونقله عنه البيهقي في الدلائل ج 3 / 442 . وقد علق أبو ذر والسهيلي عليه ، واستبعدا أن يكون حسان بن ثابت من الجبن بهذه المنزلة . قال السهيلي : " وقد رفع هذا الحديث بعض العلماء وأنكره ، وذلك أنه منقطع الاسناد . وقال : لو صح هذا لهجي به حسان ، فإنه كان يهاجي الشعراء كضرار وابن الزبعرى وغيرهما ، وكانوا يناقضونه ويردون عليه ، فما عيره أحد منهم بجبن . فدل هذا على ضعف حديث ابن إسحاق . وإن صح فلعل حسان أن يكون معتلا في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال . وهذا أولى ما تأول عليه . وممن أنكر أن يكون هذا صحيحا ابن عبد البر في الدرر . وقال ابن السراج : سكوت الشعراء عن تعبيره بذلك من أعلام النبوة ، لأنه كان شاعره صلى الله عليه وسلم . ( 2 ) في رواية البيهقي : حتى مما يدري الرجل أتم صلاته أم لا . ( 3 ) رواه ابن عبد البر في الدرر ص 169 - 177 والبيهقي عنه في الدلائل ج 3 / 402 . ( 4 ) رواه البخاري في 56 كتاب الجهاد 98 باب ح‍ 2931 وأعاده في 64 كتاب المغازي 19 باب ح‍ 4111 ومسلم في 5 كتاب المساجد 35 باب ح‍ 202 وح‍ 206 وح‍ 204 وأحمد في مسنده 1 / 79 ، 81 . ( 5 ) رواه البخاري في 9 كتاب مواقيت الصلاة 36 باب . ومسلم في 5 كتاب المساجد 36 باب ح‍ 209 . قوله هشام هو ابن أبي عبد الله . ويحيى بن أبي كثير . وأبي سلمة بن عبد الرحمن . - بطحان : واد بالمدينة .