ابن كثير

113

البداية والنهاية

برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا . فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ، ولنا بهيمة داجن فذبحتها فطحنت ففرغت إلى فراغي ، وقطعتها في برمتها ، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه ، فجئته فساررته فقلت : يا رسول الله ذبحت بهيمة لنا ، وطحنت صاعا من شعير كان عندنا ، فتعال أنت ونفر معك . فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أهل الخندق ، إن جابرا قد صنع سؤرا فحيهلا بكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ . فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئت امرأتي ، فقالت : بك وبك . فقلت : قد فعلت الذي قلت . فأخرجت لنا عجينا فبسق فيه وبارك ، ثم عمد إلى برمتنا فبسق وبارك ثم قال : ادع خبازة فلتخبز معك ، واقدحي من برمتك ولا تنزلوها وهم ألف ، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا ، وان برمتنا لتغط كما هي ، وان عجيننا كما هو . ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر عن أبي عاصم به نحوه ( 1 ) . وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث وفي سياقه غرابة من بعض الوجوه فقال : حدثني سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله قال : عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وكانت عندي شويهة غير جد سمينة ، قال : فقلت والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة ، فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق قال : وكنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا فقلت : يا رسول الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا ، وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير ، فانا أحب أن تنصرف معي إلى منزلي قال وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده . قال : فلما أن قلت ذلك قال : نعم ثم أمر صارخا فصرخ : أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله ، قال : قلت إنا لله وإنا إليه راجعون . قال : فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه ، فجلس وأخرجناها إليه ، قال : فبرك وسمى الله تعالى ثم أكل ، وتواردها الناس ، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها . والعجب أن الإمام أحمد إنما رواه من طريق سعيد بن ميناء عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق عنه عن جابر مثله سواء . قال محمد بن إسحاق وحدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد ، أخت النعمان بن بشير قالت : دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ، ثم قالت : أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما . قالت : فأخذتها ، وانطلقت بها ، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا

--> ( 1 ) رواه البيهقي في الدلائل ج 3 / 425 ، والبخاري في 56 كتاب الجهاد ، وفي المغازي 29 باب غزوة الخندق ، ومسلم في 26 كتاب الأشربة 20 باب ح‍ 141 . والحاكم في المستدرك 3 / 31 وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . - الخمص : ضمور البطن من الجوع . السؤر : يروى بالهمزة ، وبتركها . وهي لفظة فارسية . وبالهمز : البقية . وبدونه : الطعام الذي يدعى إليه .