ابن كثير
92
البداية والنهاية
وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم ، وكان رسول الله في منعة من قومه ومن عمه لا يصل إليه شئ مما يكره ومما ينال أصحابه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه " فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها ، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا ، ولم نخش فيها ظلما . فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا ، غاروا منا ، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده ، وليردنا عليهم ، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ، فجمعوا له هدايا ولبطارقته ، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيئوا له هدية على حدة ، وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم ، ثم ادفعوا إليه هداياه فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا . فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته ، فكلموه فقالوا له : إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا ( 1 ) ، فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم . فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم ، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل فقالوا نفعل . ثم قدموا إلى النجاشي هداياه ، وكان من أحب ما يهدون إليه من مكة الادم - وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا إليه فرسا وجبة ديباج - فلما أدخلوا عليه هداياه . قالوا له : أيها الملك : إن فتية منا سفهاء ( 2 ) فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه ، وقد لجأوا إلى بلادك ، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم ، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم ، فإنهم أعلا بهم عينا ( 3 ) ، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك . فغضب ثم قال : لا لعمر الله ! لا أردهم عليهم حتى أدعوهم ، فأكلمهم وأنظر ما أمرهم ، قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أدخل ( 4 ) بينهم وبينهم ، ولم أنعم عينا - [ وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم . فقال : لا والله ! حتى أسمع كلامهم وأعلم على أي شئ هم عليه ؟ فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له . فقال : أيها الرهط ألا تحدثوني مالكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم ؟ فأخبروني ماذا تقولون في عيسى وما دينكم ؟ أنصاري أنتم ؟ قالوا : لا . قال أفيهود أنتم ؟ قالوا : لا . قال : فعلى دين قومكم ؟ قالوا : لا . قال فما دينكم ؟ قالوا : الاسلام . قال وما الاسلام ؟ قالوا نعبد الله لا نشرك به شيئا . قال : من جاءكم بهذا ؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا ، قد عرفنا وجهه ونسبه ، بعثه الله إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا ، فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء وأداء الأمانة ، ونهانا أن نعبد
--> ( 1 ) في الدلائل للبيهقي : في سفهاء من سفهائنا . ( 2 ) في نسخة من الدلائل : من سفهائنا . ( 3 ) في الدلائل : فهم أعلاهم عينا . أي أبصر بهم . أي عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم . ( 4 ) في الدلائل : ولم أخل . والعبارة في ابن هشام : وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني .