ابن كثير

90

البداية والنهاية

حتى أدخله السفينة ، فحقد عليه عمرو في ذلك . فقال عمرو للنجاشي : إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك ، فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فطار مع الوحش . وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل من طريق أبي على الحسن بن سلام السواق عن عبيد الله بن موسى فذكر بإسناده مثله إلى قوله : فأمر لنا بطعام وكسوة قال وهذا إسناد صحيح وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة ، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة ، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى : أنهم بلغهم مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بعض وخمسين رجلا في سفينة ، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة ، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عندهم ، فأمره جعفر بالإقامة ، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر . قال وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي ، فأخبر عنه . قال ولعل الراوي وهم في قوله : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق والله أعلم ( 1 ) . وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة . حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا بريد ( 2 ) بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى . قال : بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن ، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فأقمنا معه حتى قدمنا فوافينا ( 3 ) النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لكم أنتم أهل السفينة هجرتان " وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وأبي عامر عبد الله بن براد [ بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى ] كلاهما عن أبي أسامة به ، وروياه في مواضع أخر مطولا والله أعلم . وأما قصة جعفر مع النجاشي فإن الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبي طالب من تاريخه من رواية نفسه ، ومن رواية عمرو بن العاص . وعلى يديهما جرى الحديث ، ومن رواية ابن مسعود كما تقدم . وأم سلمة كما سيأتي . فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا . رواها ابن عساكر عن أبي القاسم السمرقندي عن أبي الحسين بن النقور عن أبي طاهر المخلص عن أبي القاسم البغوي . قال حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي عن عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا أسد بن عمرو البجلي عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن جعفر ، عن أبيه . قال : بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي . فقالوا له - ونحن عنده - : قد صار إليك ناس من سفلتنا ( 4 ) وسفهائنا ، فادفعهم إلينا ، قال : لا حتى أسمع كلامهم . قال فبعث إلينا

--> ( 1 ) دلائل النبوة ج 1 / 299 - 300 . ( 2 ) في نسخ البداية المطبوعة : يزيد وهو تحريف ، وما أثبتناه من البخاري . ( 3 ) في البخاري : فوافقنا . ( 4 ) قال الأستاذ حسن في تاريخ الاسلام السياسي 1 / 87 : " لم يفكر الرسول في هجرة المسلمين إلى إحدى القبائل العربية ، لأنها كانت ترفض دعوته في مواسم الحج مجاملة لقريش أو تمسكا بدينها الوثني ، وكذلك لم يفكر في الهجرة إلى مواطن أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين ، لان كلا من الجاليتين اليهودية والمسيحية كانت تنازع الأخرى وتنافسها في النفوذ الأدبي ببلاد العرب ، فهما والحالة هذه لا تقبلان منافسا ثالثا خصوصا إذا كان من العرب الذين كانوا يحتقرونهم ، أما اليمن وكانت مستعمرة للفرس ولم يدينوا بدين سماوي فلم يطمئن الرسول إلى الالتجاء إليها ، وكذلك كان شأن الحيرة التي كانت - في ذلك الوقت - بعيدة عن مكة أما الشام فهي بعيدة كذلك . فضلا عما كان يسودهما - الشام والحيرة - من الاضطراب ، إلى جانب أن لقريش صلات وثيقة ومصالح متبادلة وزيارات متبادلة . لذلك اتجه الرسول إلى بلاد الحبشة لما كان يعرف في ملكها من العدل والتسامح وقال بروكلمان ص 40 : إن النبي كان لا يعتبر أن دينه - في ذلك الوقت - يختلف اختلافا كبيرا عن النصرانية فالنجاشي أقرب ممثل سياسي للنصرانية يمكن أن يحتمي به .