ابن كثير
84
البداية والنهاية
القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به ، قال فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( ولا تجهر بصلاتك ) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ( ولا تخافت بها ) عن أصحابك ، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) وهكذا رواه صاحبا الصحيح من حديث أبي بشر جعفر بن أبي حية به ( 1 ) . وقال محمد بن إسحاق ( 2 ) : حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن - وهو يصلي - تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه ، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعض ما يتلو ، وهو يصلي ، استرق السمع ، دونهم فرقا منهم ، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع ، فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا ، فأنزل الله تعالى : ( ولا تجهر بصلاتك ) فيتفرقوا عنك ( ولا تخافت بها ) فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك ، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع ، فينتفع به ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) . باب هجرة أصحاب رسول الله ، من مكة إلى أرض الحبشة قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين ، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد . والإهانة البالغة . وكان الله عز وجل قد حجرهم عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومنعه بعمه أبي طالب ، كما تقدم تفصيله ولله الحمد والمنة . وروى الواقدي أن خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة ( 3 ) ، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة ، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة . وهم عثمان بن عفان ، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة ، وامرأته سهلة بنت سهيل ، والزبير بن العوام ، ومصعب بن عمير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية ، وعثمان بن مظعون ، وعامر بن ربيعة العنزي ، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة ، وأبو سبرة بن أبي رهم ، وحاطب بن عمرو ( 4 ) ، وسهيل بن بيضاء ، وعبد الله بن مسعود ، رضي الله عنهم
--> ( 1 ) مسند أحمد ج 1 / 23 ، 215 . ( 2 ) سيرة ابن هشام ج 1 / 335 . ( 3 ) نقل البيهقي في الدلائل قال : وأما الهجرة الثانية وهي فيما زعم الواقدي سنة خمس من مبعث النبي 2 / 297 . ووافق الطبري الواقدي في أن مخرجهم في الهجرة الأولى كان في رجب في السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، 2 / 221 دار القاموس الحديث . ويرى البيهقي أن الهجرة الأولى اقتصرت على عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم راجع الدلائل ج 2 / 297 . ( 4 ) كذا في الطبري ، وفي ابن هشام : يقال : أبو حاطب بن عمرو .