ابن كثير

79

البداية والنهاية

والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) [ النحل : 90 ] وقال البيهقي عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، [ قال ] : حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير - أو عكرمة عن ابن عباس - أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم ( 1 ) فقال : إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قول بعضكم بعضا . فقيل : يا أبا عبد شمس ، فقل ، وأقم لنا رأيا نقوم به ( 2 ) ، فقال : بل أنتم فقولوا وأنا أسمع . فقالوا نقول كاهن ؟ فقال ما هو بكاهن رأيت الكهان . فما هو بزمزمة الكهان . فقالوا نقول مجنون ؟ فقال ما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . فقالوا ( 3 ) نقول شاعر ؟ فقال ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر : برجزه وهزجه ، وقريضه ومقبوضه ، ومبسوطه فما هو بالشعر . قالوا فنقول هو ساحر ؟ قال ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده . قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لمغدق ، وإن فرعه لجني فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وان أقرب القول لان تقولوا هذا ساحر ، فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء ودينه ، وبين المرء وأبيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره وأنزل الله في الوليد : ( ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ) [ المدثر : 11 - 13 ] الآيات وفي أولئك النفر ( الذين جعلوا القرآن عضين ، فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) ( 4 ) [ الحجر : 91 - 93 ] . قلت : وفي ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم : ( بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) [ الأنبياء : 5 ] فحاروا ماذا يقولون فيه فكل شئ يقولونه باطل ، لان من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ . قال الله تعالى : ( أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) [ الاسراء : 48 ] . وقال الامام عبد بن حميد في مسنده حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح - وهو ابن عبد الله الكندي - عن الذيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله . قال : اجتمع قريش يوما فقالوا أنظروا .

--> ( 1 ) من البيهقي ، وفي نسخة البداية المطبوعة : المواسم وهو تحريف . ( 2 ) في ابن هشام : نقول به بدل نقوم به . ( 3 ) من البيهقي ، وفي نسخ البداية المطبوعة : فقال وهو تحريف . ( 4 ) عضين : أي أصنافا . والخبر رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 198 وما بعدها