ابن كثير
76
البداية والنهاية
قال ابن إسحاق : وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة . فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول - فيما بلغني - : " صبرا آل ياسر موعدكم الجنة " ( 1 ) وقد روى البيهقي عن الحاكم عن إبراهيم بن عصمة العدل ، حدثنا السرى بن خزيمة ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام بن أبي عبيد الله ، عن أبي الزبير ، عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال : " أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة " ( 2 ) فأما أمه فيقتلوها فتأبى إلا الاسلام . وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد . قال : أول شهيد كان في أول الاسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قلبها ( 3 ) . وهذا مرسل . قال محمد بن إسحاق : وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش ، إن سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه وقال : تركت دين أبيك وهو خير منك ، لنسفهن حلمك ، ولنفيلن ( 4 ) رأيك ، ولنضعن شرفك . وإن كان تاجرا قال : والله لنكسدن تجارتك ، ولنهلكن مالك . وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به لعنه الله وقبحه . قال ابن إسحاق : وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال : قلت لعبد الله بن عباس : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال نعم والله ! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي [ نزل ] به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا له ، اللات والعزى إلهان من دون الله فيقول نعم ! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم . قلت : وفي مثل هذا أنزل الله تعالى : ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدره فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم ) [ النحل : 106 ] الآية فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن خباب بن الأرت . قال : كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين ، فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد . فقلت لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت .
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام : 1 / 342 . ( 2 ) الخبر في دلائل البيهقي 2 / 282 وفيه : أو آل ياسر . وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 388 وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 293 عن عثمان وقال : رواه الطبراني ورجاله ثقات . ( 3 ) قال البيهقي في الدلائل عن مجاهد قال : أول شهيد كان في الاسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قبلها ( ج 2 / 282 - راجع الاستيعاب 4 / 330 على هامش الإصابة ، والإصابة 4 / 335 ) . ( 4 ) في نسخة البداية المطبوعة : ولنفلين رأيك ، وهو تحريف . ونفيلن رأيك : أي نقبحنه ونخطئنه