ابن كثير

69

البداية والنهاية

عجيب ( 1 ) ، وسلوه عن رجل طواف طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان [ نبؤه ] ( 2 ) ، وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه ، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا : يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبراهم بها ، فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد أخبرنا . فسألوه عما أمروهم به . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخبركم غدا بما سألتم عنه " ولم يستثن . فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة ( 3 ) لا يحدث له في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف ( 4 ) أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشئ مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة [ أصحاب ] ( 5 ) الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم [ وخبر ] ( 5 ) ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف ، وقال الله تعالى : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) [ الاسراء : 85 ] . وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك . ونزل قوله : ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) ثم شرع في تفصيل أمرهم واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقا لا تعليقا في قوله : ( ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت ) ثم ذكر قصة موسى لتعلقها بقصة الخضر ، ثم ذي القرنين ثم قال : ( ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ) ثم شرح أمره وحكى خبره . وقال في سورة سبحان : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) أي خلق عجيب من خلقه ، وأمر من أمره ، قال لها كوني فكانت . وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه ، وتصوير حقيقته في نفس الامر يصعب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته ، ولهذا قال : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) وقد ثبت في الصحيحين ( 6 ) أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فتلا عليهم هذه الآية - فإما أنها نزلت مرة ثانية أو

--> ( 1 ) في السيرة : عجب . ( 2 ) سقطت من الأصل واستدركت من السيرة والدلائل . ( 3 ) قال السهيلي عن موسى بن عقبة إن الوحي إنما أبطأ عنه ثلاثة أيام ثم جاءه جبريل بسورة الكهف . ( 4 ) أرجف أهل مكة : خاضوا في الاخبار السيئة التي من شأنها إيقاع الناس في البلبلة والاضطراب لابعادهم عن النبي صلى الله عليه وسلم . ( 5 ) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدركت من السيرة ودلائل البيهقي . ( 6 ) أخرجه البخاري في 96 كتاب الاعتصام بالسنة ( 3 ) باب ح 7297 . ومسلم في صحيحه في 50 كتاب صفات المنافقين 4 باب ح 32 ص 2152 عن ابن مسعود قال البيهقي : وحديث ابن مسعود ، يدل على أن سؤال اليهود عن الروح ، ونزول الآية فيه كان بالمدينة .