ابن كثير

56

البداية والنهاية

عتبة ( 1 ) بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث . أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له : يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني وقالوا كذا وكذا ، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق أنا ولا أنت . فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك . فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن قد بدا لعمه فيه ، وأنه خاذله ومسلمه ، وضعف عن القيام معه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ( 2 ) ما تركت هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه " ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ، فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الامر برسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن أخي فأقبل عليه ، فقال أمض على أمرك وافعل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشئ أبدا . قال ابن إسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك : والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فأمضي لأمرك ما عليك غضاضة * أبشر وقر بذاك منك عيونا ( 3 ) ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * فلقد صدقت وكنت قدم أمينا ( 4 ) وعرضت دينا قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا ثم قال البيهقي : وذكر ابن إسحاق لأبي طالب في ذلك أشعارا ، وفي [ كل ] ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه ، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه ( 5 ) . وقال يونس بن بكير : حدثني محمد بن إسحاق [ قال ] : حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضع ( 6 ) وأربعين سنة عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام رسول الله قال أبو جهل بن هشام : يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا ، وسب آلهتنا وإني أعاهد الله لاجلس له غدا بحجر ، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ، فلما أصبح أبو جهل - لعنه الله - أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره ، وغدا

--> ( 1 ) في الدلائل : عقبة ، وفي السيرة فكالأصل . وهو يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي ، ثقة من السادسة مات سنة ثمان وعشرين ( تقريب التهذيب ) 2 / 385 / 376 . ( 2 ) قال السهيلي : خص الشمس باليمين لأنها الآية المبصرة ، وخص القمر بالشمال لأنها الآية الممحوة . . وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم النيرين حين ضرب المثل بهما لان نورهما محسوس والنور الذي جاء به من عند الله . ( 3 ) فامضي : كذا بالأصول باثبات الياء للوزن . ( 4 ) في سبل الهدى : 1 / 437 : وكنت ثم أمينا . ( 5 ) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 284 - 285 دون ذكر الاشعار . وفي دلائل النبوة للبيهقي 2 / 187 - 188 . ( 6 ) في الأصل : بضعا وهو تحريف .