ابن كثير
51
البداية والنهاية
وقال تعالى : ( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ) [ الزخرف : 44 ] . وقال تعالى : ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) [ القصص : 88 ] . أي إن الذي فرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة وهي المعاد ، فيسألك عن ذلك . كما قال تعالى : ( فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا . وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير ، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) . وأوردنا أحاديث جمة في ذلك ، فمن ذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أنزل الله : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى " يا صباحاه " فاجتمع الناس إليه بين رجل يجئ إليه وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا بني عبد المطلب يا بني فهر ، يا بني كعب أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني ؟ " قالوا نعم ! قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب - لعنه الله - تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل الله عز وجل : ( تبت يدا أبي لهب وتب ) [ المسد : 1 ] وأخرجاه من حديث الأعمش به نحوه ( 1 ) . وقال أحمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة حدثنا عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة . قال : لما نزلت هذه الآية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فعم وخص . فقال : " يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار ، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلائها " ( 2 ) ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير ، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة ، وله طرق أخر عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره . وقال أحمد أيضا حدثنا وكيع بن هشام عن أبيه
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في 1 كتاب الايمان 89 باب حديث 355 . والبخاري في 65 كتاب التفسير ( 111 ) باب فتح الباري 8 / 736 . وأحمد في مسنده 1 / 281 و 307 . يا صباحاه : كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح ويسمون يوم الغارة يوم الصباح . فكأن القائل : يا صباحاه قد غشينا العدو . وقيل إن المتقاتلين كانوا إذا جاؤوا الليل يرجعون عن القتال فإذا عاد النهار عاودوه . فكأنه يريد بقوله يا صباحاه : قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال . ( 2 ) مسلم : المصدر السابق حديث 348 و 351 و 353 . والبخاري في كتاب الوصايا حديث 2753 و 62 كتاب المناقب ح 3527 وأحمد في مسنده 1 / 206 والنسائي في الوصايا - والدارمي في الرقاق كلهم بأسانيد وطرائق متعددة . - سأبلها ببلائها : وفي البيهقي ببلالها : معناه سأصلها . شبهت قطيعة الرحم بالحرارة ووصلها باطفاء الحرارة ببرودة . ومنه بلوا أرحامكم : أي صلوها .