ابن كثير

382

البداية والنهاية

رسول الله وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال : " أرسله يا عمر ، أدن يا عمير " فدنا ثم قال : أنعم صباحا - وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم - فقال رسول الله " قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة " قال : أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد ، قال : " فما جاء بك يا عمير ؟ " قال جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه ، قال : " فما بال السيف في عنقك " قال : قبحها الله من سيوف وهل أغنت شيئا ؟ قال : " أصدقني ما الذي جئت له ؟ " قال ما جئت إلا لذلك ، قال : " بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك ، على أن تقتلني له ، والله حائل بينك وبين ذلك " فقال عمير : أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فوالله إني لاعلم ما أتاك به إلا الله فالحمد لله الذي هداني للاسلام وساقني هذا المساق . ثم شهد شهادة الحق . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فقهوا أخاكم في دينه ، وعلموه القرآن وأطلقوا أسيره " ففعلوا . ثم قال : يا رسول الله إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الاسلام لعل الله يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة ، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر ، وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه ، فحلف أن لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا . قال ابن إسحاق : فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الاسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدا فأسلم على يديه ناس كثير . قال ابن إسحاق : وعمير بن وهب - أو الحارث بن هشام - هو الذي رأى عدو الله إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر وفر هاربا وقال : إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون ، وكان إبليس يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم أمير مدلج ( 1 ) . فصل ثم إن الإمام محمد بن إسحاق رحمه الله تكلم على ما نزل من القرآن في قصة بدر وهو من أول سورة الأنفال إلى آخرها فأجاد وأفاد ، وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير فمن أراد الاطلاع على ذلك فلينظره ثم ولله الحمد والمنة .

--> ( 1 ) الخبر في سيرة ابن هشام ج 2 / 317 - 318 ونقله البيهقي عن موسى بن عقبة كتاب المغازي يزيد كلمة وينقص كلمة والمعنى واحد . في دلائل النبوة ج 3 / 147 - 149