ابن كثير

377

البداية والنهاية

تفعلوا يبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنسوا ( 1 ) بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء . قلت : وكان هذا من تمام ما عذب الله به أحياءهم في ذلك الوقت وهو تركهم النوح على قتلاهم ، فإن البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين . قال ابن إسحاق : وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده ، زمعة وعقيل والحارث ، وكان يحب أن يبكي على بنيه قال فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل ، فقال لغلام له - وكان قد ذهب بصره - أنظر هل أحل النحب هل بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على أبي حكيمة - يعني ولده زمعة - فإن جوفي قد احترق ، قال فلما رجع إليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته قال فذاك حين يقول الأسود : أتبكي أن أضل لها بعير * ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي على بكر ولكن * على بدر تقاصرت الجدود على بدر سراة بني هصيص * ومخزوم ورهط أبي الوليد وبكى إن بكيت أبا ( 2 ) عقيل * وبكى حارثا أسد الأسود وبكيهم ولا تسمي جميعا * وما لأبي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال * ولولا يوم بدر لم يسودوا بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء أسراهم قال ابن إسحاق : وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال ، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه " فلما قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه ، قال المطلب بن أبي وداعة وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى : صدفتم لا تعجلوا ، وانسل من الليل وقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به . قلت : وكان هذا أول أسير فدى ثم بعثت قريش في فداء أسراهم فقد مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو ، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم أخو بني سالم بن عوف فقال في ذلك :

--> ( 1 ) من ابن هشام وفي الأصل : تستأنسوا تحريف . حتى تستأنوا : أي تؤخروا فداءهم حتى لا يتشدد في طلب الفداء . ( 2 ) في ابن هشام : على .