ابن كثير

371

البداية والنهاية

اشتد الضحى ، وفارق عبد الله بن رواحة زيد بن حارثة من العقيق ، فجعل عبد الله بن رواحة ينادي على راحلته ، يا معشر الأنصار ، أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم ، قتل ابنا ربيعة ، وابنا الحجاج ، وأبو جهل ، وقتل زمعة بن الأسود ، وأمية بن خلف ، وأسر سهيل بن عمرو . قال عاصم بن عدي : فقمت إليه فنحوته فقلت : أحقا يا ابن رواحة ؟ فقال إي والله وغدا يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى مقرنين . ثم تتبع دور الأنصار بالعالية يبشرهم دارا دارا والصبيان ينشدون معه يقولون : قتل أبو جهل الفاسق ، حتى إذا انتهى إلى دار بني أمية وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء يبشر أهل المدينة ، فلما جاء المصلى صاح على راحلته : قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وابنا الحجاج ، وقتل أمية بن خلف وأبو جهل وأبو البختري وزمعة بن الأسود ، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثير ، فجعل بعض الناس لا يصدقون زيدا ويقولون ما جاء زيد بن حارثة إلا فلا ( 1 ) حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا . وقد زيد حين سوينا [ التراب ] على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع ، وقال رجل من المنافقين لأسامة : قتل صاحبكم ومن معه ؟ وقال آخر لأبي لبابة : قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون فيه أبدا وقد قتل علية أصحابه وقتل محمد وهذه ناقته نعرفها ، وهذا زيد لا يدري ماذا يقول من الرعب ، وجاء فلا فقال أبو لبابة : يكذب الله قولك . وقالت اليهود : ما جاء زيد إلا فلا . قال أسامة : فجئت حتى خلوت بأبي فقلت أحق ما تقول ؟ فقال إي والله حق ما أقول يا بني فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين ، لنقدمنك إلى رسول الله إذا قدم فليضربن عنقك ، فقال إنما هو شئ سمعته من الناس يقولونه . قال فجئ بالأسرى وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد شهد معهم بدرا وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا . قال الواقدي : وهم سبعون في الأصل مجتمع عليه لا شك فيه . قال ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الروحاء رؤوس الناس يهنئونه بما فتح الله عليه . فقال له أسيد بن الحضير : يا رسول الله الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك ، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا ، ولكن ظننت أنها عير ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت . فقال له رسول الله " صدقت " ( 2 ) . قال ابن إسحاق : ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى وفيهم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث وقد جعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار . فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام [ يقال إنه ] هو عدي بن أبي الزغباء - : أقم لها صدورها يا بسبس * ليس بذي الطلح لها معرس ولا بصحراء عمير محبس * إن مطايا القوم لا تحبس

--> ( 1 ) الفل : القوم المنهزمون ويقع على الواحد والاثنين والجمع . عن النهاية . ( 2 ) الخبر في مغازي الواقدي 1 / 114 - 115 وفي دلائل البيهقي من طريق الحسين بن الفرج عن الواقدي . ج 3 / 131 - 133 .