ابن كثير
357
البداية والنهاية
القتلى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " نفلق هاما " فيقول الصديق : من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما طرح رؤوس الكفر في بئر يوم بدر قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب ، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف ، فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل [ لحمه ] فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة ، فلما ألقاهم في القليب ، وقف عليهم فقال : " يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " قالت فقال له أصحابه : يا رسول الله أتكلم قوما موتى فقال : " لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق " قالت عائشة : والناس يقولون : لقد سمعوا ما قلت لهم ، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علموا ( 1 ) قال ابن إسحاق : وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من جوف الليل وهو يقول : " يا أهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أمية بن خلف ، ويا أبا جهل بن هشام - فعدد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " فقال المسلمون : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتنادي قوما قد جيفوا ؟ فقال : " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني " وقد رواه الإمام أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس فذكر نحوه . وهذا على شرط الشيخين قال ابن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس ، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا " ( 2 ) . قلت : وهذا مما كانت عائشة رضي الله عنها تتأوله من الأحاديث كما قد جمع ما كانت تتأوله من الأحاديث في جزء وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات ، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله : ( وما أنت بمسمع من في القبور ) وليس هو بمعارض له والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم للأحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت إليه رضي الله عنها وأرضاها . وقال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال : ذكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله فقالت : رحمه الله ، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليعذب بخطيئته وذنبه ، وإن أهله ليبكون عليه الآن " قالت وذاك مثل قوله
--> ( 1 ) قال السهيلي معارضا قول عائشة : وعائشة لم تحضر ، وغيرها ممن حضر أحفظ للفظه عليه السلام . ( 2 ) سيرة ابن هشام ج 2 / 292 ، والكامل لابن الأثير 2 / 129 .