ابن كثير
303
البداية والنهاية
بها شهرا فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة فوادعهم ، فقال لي علي بن أبي طالب : هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر - من بني مدلج يعملون في عين لهم - ننظر كيف يعملون ؟ فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة فغشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء ( 1 ) من الأرض فنمنا فيه . فوالله ما أهبنا إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا بقدمه فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " يا أبا تراب " لما عليه من التراب ، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال : " ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين ؟ " قلنا بلى يا رسول الله فقال : " أحيمر ( 2 ) ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه - حتى تبل منها هذه - ووضع يده على لحيته - " وهذا حديث غريب من هذا الوجه له شاهد من وجه آخر في تسمية علي أبا تراب كما في صحيح البخاري : أن عليا خرج مغاضبا فاطمة ، فجاء المسجد فنام فيه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عنه فقالت خرج مغاضبا فجاء إلى المسجد فأيقظه وجعل يمسح التراب عنه ويقول : " قم أبا تراب قم أبا تراب " ( 3 ) . غزوة بدر - الأولى ( 4 ) قال ابن إسحاق : ثم لم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليال قلائل لا تبلغ العشرة ، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر ، وهي غزوة بدر الأولى ، وفاته كرز فلم يدركه . وقال الواقدي : وكان لؤلؤه مع علي بن أبي طالب . قال ابن هشام والواقدي : وكان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة . قال ابن إسحاق : فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام جمادى ورجبا وشعبان وقد كان بعث بين يدي ذلك سعدا في ثمانية رهط من المهاجرين ، فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز . قال ابن هشام : ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة ثم رجع ولم يلق كيدا . هكذا ذكره
--> ( 1 ) دقعاء : التراب اللين . ( 2 ) أحيمر ثمود : هو الذي عقر ناقة صالح واسمه قدار بن سالف وقد تقدم . ( 3 ) أخرجه البخاري في صحيحه : في كتاب الصلاة باب نوم الرجال في المسجد عن سهل بن سعد . وأخرجه أيضا في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب مناقب علي - عن سهل بن سعد . وأخرجه في كتاب الأدب باب التكني بأبي تراب . ( 4 ) قال الواقدي : غزوة بدر الأولى وقعت قبل غزوة العشيرة ، وكانت في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا ، وأما غزوة العشيرة فكانت في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا . ( أنظر مغازي الواقدي 1 / 12 - ابن سعد 2 / 9 - الطبري 2 / 291 ) .