ابن كثير

258

البداية والنهاية

رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامي من اليهود وقلت ( 1 ) : يا رسول الله إن اليهود قوم بهت ، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيبني عنهم ، ثم تسألهم عني فيخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي ، فإنهم إن يعلموا بذلك بهتوني وعابوني ، وذكر نحو ما تقدم . قال فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث [ فحسن إسلامها ] ( 2 ) . وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر حدثني محدث عن صفية بنت حيي قالت : لم يكن أحد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني ، لم ألقهما في ولد لهما قط أهش إليهما إلا أخذاني دونه ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء - قرية بني عمرو بن عوف - غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين ، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس . فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا ، فهششت إليهما كما كنت أصنع فوالله ما نظر إلي واحد منهما ، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي : أهو هو ؟ قال : نعم والله ! قال تعرفه بنعته وصفته ؟ قال نعم والله ! قال : فماذا في نفسك منه ؟ قال عداوته والله ما بقيت ( 3 ) . وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب إليه وسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه فقال : يا قوم أطيعون فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون ، فاتبعوه ولا تخالفوه فانطلق أخوه حيي بن أخطب - وهو يومئذ سيد اليهود ، وهما من بني النضير - فجلس إلى رسول الله وسمع منه ، ثم رجع إلى قومه - وكان فيهم مطاعا - فقال : أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا . فقال له أخوه أبو ياسر يا ابن أم أطعني في هذا الامر واعصني فيما شئت بعده لا تهلك ، قال لا والله لا أطيعك أبدا ، واستحوذ عليه الشيطان واتبعه قومه على رأيه . قلت : أما أبو ياسر واسمه وأما حيي بن أخطب فلا أدري ما آل إليه أمره ، وأما حيي بن أخطب والد صفية بنت حيي فشرب عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولم يزل ذلك دأبه لعنه الله حتى قتل صبرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل مقاتلة بني قريظة كما سيأتي ، إن شاء الله . فصل ولما ارتحل عليه السلام من قباء وهو راكب ناقته القصواء وذلك يوم الجمعة أدركه وقت الزوال وهو في دار بني سالم بن عوف ، فصلى بالمسلمين الجمعة هنالك ، في واد يقال له وادي رانواناء فكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين بالمدينة ، أو مطلقا لأنه والله أعلم لم يكن

--> ( 1 ) في ابن هشام : ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : ( 2 ) من ابن هشام 2 / 164 ونقل الخبر البيهقي عنه في الدلائل : 2 / 530 . ( 3 ) سيرة ابن هشام 2 / 165 والبيهقي في الدلائل 2 / 532 .