ابن كثير
234
البداية والنهاية
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار ، إذا في الغار جحر فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح مخافة أن يخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شئ . فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أم معبد فأرسلت إليه أم معبد إني أرى وجوها حسانا ، وإن الحي أقوى على كرامتكم مني ، فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أردد الشفرة وهات لنا فرقا " يعني القدح فأرسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد . قال هات لنا فرقا فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت ودرت فحلب فملأ القدح فشرب وسقى أبا بكر ، ثم حلب فبعث فيه إلى أم معبد . ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد . وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه إلا يعقوب بن محمد وإن كان معروفا في النسب . وروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني ، سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بكر الصديق [ رضي الله عنه ] . قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت منتحيا فقصد إليه ، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت : يا عبد الله ! إنما أنا امرأة وليس معي أحد ، فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى ، قال فلم يجبها وذلك عند المساء ، فجاء ابن لها بأعنز [ لها ] يسوقها ، فقالت : يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمي : اذبحا هذه وكلا وأطعمانا ، فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " انطلق بالشفرة وجئني بالقدح " قال إنها قد عزبت وليس بها لبن ، قال انطلق ، [ فانطلق ] فجاء بقدح فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها ، ثم حلب حتى ملا القدح ، ثم قال : انطلق به إلى أمك ، فشربت حتى رويت ، ثم جاء به فقال : انطلق بهذه وجئني بأخرى . ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر ، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك ، ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم [ قال ] فبتنا ليلتنا ، ثم انطلقنا . فكانت تسميه المبارك . وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة ، فمر أبو بكر فرأى ابنها فعرفه ، فقال : يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك . فقامت إليه فقالت : يا عبد الله من الرجل الذي كان معك ؟ قال أو ما تدرين من هو ؟ قالت : لا ، قال هو نبي الله . قالت : فأدخلني عليه . قال : فأدخلها فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها - زاد ابن عبدان ( 1 ) في روايته - قالت فدلني عليه ، فانطلقت معي وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من أقط ومتاع الاعراب . قال فكساها وأعطاها . قال : ولا أعلمه إلا قال وأسلمت ( 2 ) . إسناد حسن . وقال البيهقي : هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد ، والظاهر أنها هي والله أعلم ( 3 ) . وقال
--> ( 1 ) أحد إسناد رواية البيهقي . واسمه أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان . ( 2 ) قال الواقدي وغيره أنها تأخرت في إسلامها وبيعتها إلى أيام عمر بن الخطاب ، وكان ذلك بعد سنة ثماني عشرة ( الطبقات 8 / 289 ) . ( 3 ) دلائل البيهقي 2 / 491 - 492 وقال : وقد ذكر ابن إسحاق من قصة أم معبد شيئا يدل على أنها وهذه واحدة . وانظر الروض الآنف 2 / 8 وشرح السيرة لأبي ذر 1 / 126 والسيرة الشامية 3 / 350 .