ابن كثير
227
البداية والنهاية
فناديتهم الأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت من الحبس عنهم ( 1 ) أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية ، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم ، وعرضت عليهم الزاد والمتاع . فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قالا : أخف عنا . فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم . ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 2 ) . وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة ، إلا أنه ذكر أنه استقسم بالأزلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الذي يكره لا يضره ، وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات ، وكل ذلك يستقسم بالأزلام ويخرج الذي يكره لا يضره . حتى ناداهم بالأمان . وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ( 3 ) ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فكتب لي كتابا في عظم - أو رقعة أو خرقة - وذكر أنه جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة ( 4 ) مرجعه من الطائف ، فقال له : " يوم وفاء وبر ، أدنه " فدنوت منه وأسلمت . قال ابن هشام : هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم وهذا الذي قاله جيد . ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال : كفيتم هذا الوجه ، فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى المدينة . جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما كان من قضية جواده ، واشتهر هذا عنه . فخاف رؤساء قريش معرته ، وخشوا أن يكون ذلك سببا لاسلام كثير منهم ، وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم ، فكتب أو جهل - لعنه الله - إليهم : بني مدلج إني أخاف سفيهكم * سراقة مستغو لنصر محمد عليكم به ألا يفرق جمعكم * فيصبح شتى بعد عز وسؤدد قال : فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا : أبا حكم والله لو كنت شاهدا * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا * رسول وبرهان فمن ذا يقاومه ( 5 )
--> ( 1 ) في البيهقي : عنهما ، والرواية بالمثنى . ( 2 ) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الأنصار ( 45 ) باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ح 3906 . ورواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 486 - 487 . ( 3 ) في ابن هشام : آية . ( 4 ) الجعرانة : بكسر أوله : ماء بين الطائف ومكة ، وهي إلى مكة أقرب . ( 5 ) في السهيلي : علمت بدل عجبت ، ببرهان : بدلا من وبرهان .