ابن كثير
221
البداية والنهاية
فدخل فاستبرأه ، حتى إذا كان [ في أعلاه ] ( 1 ) ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال : مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ [ الجحرة ] . فدخل فاستبرأ ثم قال : انزل يا رسول الله ، فنزل . ثم قال عمر : والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر . وقد رواه البيهقي من وجه آخر ( 2 ) عن عمر وفيه : أن أبا بكر جعل يمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ، وخلفه أخرى ، وعن يمينه وعن شماله . وفيه أنه لما حفيت رجلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله الصديق على كاهله ، وأنه لما دخل الغار سدد تلك الأجحرة كلها . وبقي منها جحر واحد ، فألقمه كعبه فجعلت الأفاعي تنهشه ودموعه تسيل . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحزن إن الله معنا " وفي هذا السياق غرابة ونكارة . وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو . قالا : ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا عباس الدوري ، ثنا أسود بن عامر : شاذان ، ثنا إسرائيل ، عن الأسود عن جندب بن عبد الله . قال : كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ، فأصاب يده حجر فقال : إن أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت ( 3 ) وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، أخبرني عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ) ( 4 ) قال : تشاورت قريش ليلة بمكة ، فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق ، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم بل اقتلوه . وقال بعضهم بل أخرجوه . فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فبات علي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم . فلما أصبحوا ثاروا عليه ، فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم . فقالوا : أين صاحبك هذا ؟ فقال : لا أدري . فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا الجبل فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه . فمكث فيه ثلاث ليال . وهذا إسناد حسن وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار ، وذلك من حماية الله رسوله صلى الله عليه وسلم . وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي في مسند أبي بكر : حدثنا بشار الخفاف
--> ( 1 ) من دلائل البيهقي . ( 2 ) رواه من طريق فرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن ضبة بن محصن الفزاري . عن عمر . . ( 3 ) رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 480 ورواه ابن مردويه عن جندب بن عبد الله البجلي . ( 4 ) الأنفال 30 ، قال القرطبي في أحكام القرآن في تفسير قوله تعالى : ( والله خير الماكرين ) : المكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون وقال الزمخشري في الكشاف : أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل ولا يصيب إلا بما هو مستوجب . وفي النهاية 4 / 103 : مكر الله : إيقاع بلائه بأعدائه . وقال العسكري في الفروق اللغوية : إن الكيد والمكر متغايران والشاهد أن الكيد يتعدى بنفسه والمكر يتعدى بحرف . فيقال كاده يكيده ومكر به ولا يقال مكره والذي يتعدى بنفسه أقوى .