ابن كثير

186

البداية والنهاية

اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة . وقال موسى بن عقبة : فقال ( 1 ) له غلام : أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد . الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه . قال ابن إسحاق : فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كف عنك ما تكره ؟ قال : أنصفت ، قال : ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه ( 2 ) مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن ، فقالا - فيما يذكر عنهما - والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ، ثم قال : ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ، ثم قال لهما : إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن ، سعد بن معاذ . ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم ، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا . قال : أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ، فلما وقف على النادي قال له سعد : ما فعلت ؟ قال كلمت الرجلين ، فوالله ما رأيت بهما بأسا . وقد نهيتهما فقالا : نفعل ما أحببت ، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك ( 3 ) ، قال : فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة ، وأخذ الحربة في يده ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئا ، ثم خرج إليهما سعد فلما رآهما مطمئنين ، عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما ، فوقف [ عليهما ] متشمتما ؟ ثم قال لأسعد بن زرارة : والله يا أبا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، أتغشانا في دارنا بما نكره ؟ قال : وقد قال أسعد لمصعب : جاءك والله سيد من ورائه [ من ] قومه ، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان . قال : فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته ، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ؟ قال سعد : أنصفت ، ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن . وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف ( 4 ) . قال فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا تغتسل فتطهر

--> ( 1 ) نقل البيهقي الخبر عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري ، وجاءت العبارة فيه : فقال لأبي أمامة : علام تأتينا في دورنا بهذا الوحيد الغريب الطريد يسفه ضعفاءنا بالباطل ، ويدعوهم إليه ، لا أراك بعدها تسئ من جوارنا ، فقاموا ورجعوا . ( 2 ) في رواية موسى بن عقبة أن ذلك كان في مرة أخرى ، حيث توعدهم وعيدا دون وعيده الأول ، فلما رأى منه أسعد بن زرارة لينا قال له : يا ابن خالة استمع من قوله فإن سمعت منكرا فأردده بأهدى منه ، وإن سمعته حقا فأجب إليه . إنما نسب موسى هذا القول لسعد بن معاذ وقال : ويقول بعض الناس : بل أسيد بن حضير . ( 3 ) في ابن هشام : ليخفروك ، والاخفار : نقض العهد والغدر . ( 4 ) في البيهقي من رواية موسى قرأ : حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون .