ابن كثير

181

البداية والنهاية

قال : أنا رسول الله إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ، وأنزل علي الكتاب . ثم ذكر لهم الاسلام وتلا عليهم القرآن قال فقال : إياس بن معاذ - وكان غلاما حدثا - يا قوم ( 1 ) هذا والله خير مما جئتم له . فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال : دعنا منك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا . قال فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، وانصرفوا إلى المدينة ، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج . قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك . قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضرني من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما ، لقد كان استشعر الاسلام في ذلك المجلس ، حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع ( 2 ) . قلت : كان يوم بعاث - وبعاث موضع بالمدينة - كانت فيه وقعة عظيمة قتل فيها خلق من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم ، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل . وقد روى البخاري في صحيحه عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة ( 3 ) عن هشام عن أبيه عن عائشة . قالت : كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد افترق ملاؤهم ، وقتل سراتهم ( 4 ) . باب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم قال ابن إسحاق : فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه . وانجاز موعده له ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار ، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم ، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا . فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا : لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم " من أنتم ؟ " قالوا نفر من الخزرج . قال : " أمن موالي يهود ؟ " قالوا نعم ! قال " أفلا تجلسون أكلمكم ؟ " قالوا : بلى . فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الاسلام ، وتلا عليهم القرآن . قال وكان مما صنع الله بهم في الاسلام أن يهود كان معهم في بلادهم . وكانوا أهل كتاب وعلم ، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان ، وكانوا قد غزوهم ببلادهم ، فكانوا إذا كان بينهم شئ قالوا

--> ( 1 ) في السيرة : أي قوم . ( 2 ) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي وفيه : الحصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ . ( 3 ) من البخاري وفي الأصل أبي أمامة وهو تحريف . وأخرجه في 63 كتاب مناقب الأنصار ( 1 ) باب مناقب الأنصار ح 3777 فتح الباري 7 / 87 . ( 4 ) في البخاري : وقتلت سرواتهم وجرحوا فقدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم في الاسلام .