ابن كثير

18

البداية والنهاية

يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة . فمكث [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] كذلك يرى ويسمع ، ما شاء الله أن يمكث ، ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في [ شهر ] رمضان قال ابن إسحاق : وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال : سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي : حدثنا يا عبيد ، كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة ، حين جاءه جبريل قال : فقال عبيد وأنا حاضر - يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس - : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء في كل سنة شهرا بتحنث قال وكان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية . والتحنث التبرز . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة ، يطعم من جاءه من المساكين ، فإذا قضى جواره من شهره ذلك ، كان أول ما يبدأ به ، إذا انصرف من جواره ، الكعبة ، قبل أن يدخل بيته ، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله [ تعالى ] به فيه ما أراد من كرامته ، من السنة التي بعثه فيها وذلك الشهر [ شهر ] رمضان ، خرج [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ، ورحم العباد به ، جاءه جبريل بأمر الله تعالى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فجاءني [ جبريل ] وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب . فقال اقرأ ؟ قلت ما أقرأ ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، [ قال ] : قلت ما أقرأ ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال اقرأ ، قلت ما أقرأ ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني . فقال اقرأ قلت : ماذا اقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتدا منه أن يعود لي بمثل ما صنع ( 1 ) بي فقال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ) . قال فقرأتها ثم انتهى وانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا ( 2 ) . قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل ، قال : فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل . فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا [ أعلى ] مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني . وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة

--> ( 1 ) العبارة في الدلائل البيهقي : وما أقرأ وما أقولها إلا تنجيا أن يعود لي بمثل الذي صنع ، وفي نسخ البداية المطبوعة : اقتداء وهو تحريف . ( 2 ) زاد البيهقي : ولم يكن في خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون فكنت لا أطيق أنظر إليهما . . راجع دلائل النبوة ج 2 / 147 - 148 .