ابن كثير
165
البداية والنهاية
المجدر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب " وقد روى الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بسنده عن ثعلبة بن صعير ( 1 ) وحكيم بن حزام أنهما قالا : لما توفي أبو طالب وخديجة - وكان بينهما خمسة أيام - اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان ولزم بيته وأقل الخروج ، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه ، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال : يا محمد امض لما أردت وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا في صنعه ، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت . وسب ابن الغيطلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل إليه أبو لهب فنال منه ، فولى يصيح يا معشر قريش صبا أبو عتبة . فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال : ما فارقت دين عبد المطلب ، ولكني أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد . فقالوا لقد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أياما يأتي ويذهب لا يعرض له أحد من قريش ، وهابوا أبا لهب إذ جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل إلى أبي لهب فقالا له : أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك ؟ فقال له أبو لهب يا محمد أين مدخل عبد المطلب ؟ قال مع قومه . فخرج إليهما فقال قد سألته فقال مع قومه . فقالا يزعم أنه في النار . فقال يا محمد أيدخل عبد المطلب النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مات على ما مات عليه عبد المطلب دخل النار . فقال أبو لهب - لعنه الله - والله لا برحت لك إلا عدوا أبدا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار . واشتد عند ذلك أبو لهب وسائر قريش عليه . قال ابن إسحاق : وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته : أبو لهب ، والحكم بن أبي العاص بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط ، وعدي بن الحمراء ، وابن الأصداء الهذلي . وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص . وكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي ، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له ، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر به منهم إذا صلى ، فكان إذا طرحوا شيئا من ذلك يحمله على عود ثم يقف به على بابه ثم يقول : يا بني عبد مناف أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق . قلت : وعندي أن غالب ما روي مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلي كما رواه ابن مسعود وفيه أن فاطمة جاءت فطرحته عنه وأقبلت عليهم فشتمتهم ، ثم لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على سبعة منهم كما تقدم . وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له عليه السلام خنقا شديدا حتى حال دونه أبو بكر الصديق قائلا : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله . وكذلك عزم أبي جهل - لعنه الله - على أن يطأ على عنقه وهو يصلي فحيل بينه وبين ذلك ، مما أشبه ذلك كان بعد وفاة أبي طالب والله أعلم . فذكرها ههنا أنسب وأشبه .
--> ( 1 ) في الوفاء لابن الجوزي 210 وفي سيرة ابن كثير صقير وهو تحريف وما أثبتناه الصواب : ثعلبة بن صعير أو ابن أبي صعير العذري ويقال ثعلبة بن عبد الله بن صعير ويقال عبد الله بن ثعلبة بن صعير مختلف في صحبته ( تقريب التهذيب 1 / 33 / 118 ) .