ابن كثير
134
البداية والنهاية
الناس حولهم ، قال لقد مضت آية الدخان - وهو الجوع الذي أصابهم - وذلك قوله : ( إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ) وآية الروم ( 1 ) ، والبطشة الكبرى . وانشقاق القمر ، وذلك كله يوم بدر . قال البيهقي : يريد - والله أعلم - البطشة الكبرى والدخان وآية اللزام كلها حصلت ببدر . قال وقد أشار البخاري إلى هذه الرواية . ثم أورد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب [ السختياني ] عن عكرمة عن ابن عباس . قال : جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغيث من الجوع لإنهم لم يجدوا شيئا حتى أكلوا العهن ( 2 ) ، فأنزل الله تعالى : ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) [ المؤمنون : 76 ] قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فرج الله عنهم . ثم قال الحافظ البيهقي : وقد روى في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة ( 3 ) ، ولعله كان مرتين والله أعلم . فصل ثم أورد البيهقي قصة فارس والروم ونزول قوله تعالى : ( آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ، لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ) [ الروم : 1 - 6 ] . ثم روى من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة ( 4 ) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . قال : كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لإنهم أهل كتاب ، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لإنهم أهل أوثان ، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال [ له ] : " أما أنهم سيظهرون " فذكر أبو بكر ذلك للمشركين فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلا إن ظهروا كان لك كذا وكذا ، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ألا جعلته أداة " ( 5 ) . قال دون العشر فظهرت الروم بعد ذلك . وقد أوردنا طرق هذا الحديث في التفسير وذكرنا أن المباحث - أي المراهن - لأبي بكر أمية بن
--> ( 1 ) في البيهقي : وآية الردم . ( 2 ) في البيهقي : العلهز بالدم . والعلهز هو الصوف والوبر كانوا يبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه . ( 3 ) قال القرطبي في أحكام القرآن : وقال ابن عباس : نزلت في قصة تمامة بن أثال لما أسرته السرية وأسلم ، وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله ، حال بين مكة وبين الميرة ، وقال : والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ الله قريشا بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز . 12 / 143 . ( 4 ) من البيهقي ، وفي الأصل عمرو . ( 5 ) وقع خلل ونقص هنا في العبارة ، وجاءت عند البيهقي 2 / 330 أكثر وضوحا قال : فجعل بينهم أجل خمس سنين ، فلم يظهروا ، فذكر ذلك أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ألا جعلته - أراه قال دون العشرة - قال : فظهرت الروم بعد ذلك .