ابن كثير
129
البداية والنهاية
فادعها ، فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لها : ارجعي إلى مكانك فرجعت إلى مكانها ، قال : فذهب ركانة إلى قومه فقال يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فوالله ما رأيت أسحر منه قط ، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع . هكذا روى ابن إسحاق هذه القصة مرسلة بهذا البيان . وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبي الحسن العسقلاني ( 1 ) عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه . أن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال الترمذي غريب ولا نعرف أبا الحسن ولا ابن ركانة . قلت : وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن يزيد بن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، كل مرة على مائة من الغنم فلما كان في الثالثة قال : يا محمد ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك ، وما كان أحد أبغض إلي منك . وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقام عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليه غنمه . وأما قصة دعائه الشجرة فأقبلت فسيأتي في كتاب دلائل النبوة بعد السيرة من طرق جيدة صحيحة في مرات متعددة إن شاء الله وبه الثقة . وقد تقدم عن أبي الأشدين أنه صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم ذكر ابن إسحاق قصة قدوم النصارى من أهل الحبشة نحوا من عشرين راكبا إلى مكة فأسلموا عن آخرهم ، وقد تقدم ذلك بعد قصة النجاشي ولله الحمد والمنة ( 2 ) . قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد ، فجلس ( 3 ) إليه المستضعفون من أصحابه خباب ، وعمار ، وأبو فكيهة ، يسار ( 4 ) ، مولى صفوان بن أمية ، وصهيب ، وأشباههم من المسلمين . هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض : هؤلاء أصحابه كما ترون ، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه ، وما خصهم الله به دوننا . فأنزل الله عز وجل فيهم : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك ما حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين ، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة
--> ( 1 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 18 ) وقال وقد رواه أبو أويس المدني ، عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن ركانة . وقال ابن حبان في إسناد خبره في المصارعة نظر وقال في تقريب التهذيب : أبو الحسن العسقلاني مجهول من السابعة . ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 452 ورواه أبو داود في المراسيل . ( 2 ) سيرة ابن هشام ج 2 / 32 . ( 3 ) من ابن هشام ، وفي الأصل يجلس ، وما أثبتناه مناسب أكثر . ( 4 ) في الأصل : أبو فكيهة ويسار ، وهو تحريف وأثبتنا ما في سيرة ابن هشام .