ابن كثير

123

البداية والنهاية

من الشعب ؟ قالا : في السنة العاشرة صلى الله عليه وسلم - يعني من البعثة - قبل الهجرة بثلاث سنين . قلت : وفي هذه السنة بعد خروجهم توفي أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى . فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق - رحمه الله - بعد إبطال الصحيفة قصصا كثيرة تتضمن نصب عداوة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة لحج أو عمرة أو غير ذلك منه ، وإظهار الله المعجزات على يديه دلالة على صدقه فيما جاءهم به من البينات والهدى ، وتكذيبنا لهم فيما يرمونه من البغي والعدوان والمكر والخداع ، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقول ، والله غالب على أمره . فذكر قصة الطفيل بن عمرو الدوسي مرسلة ، وكان سيدا مطاعا شريفا في دوس ، وكان قد قدم مكة فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله ونهوه أن يجتمع به أو يسمع كلامه ، قال فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكمله ، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا ( 1 ) فرقا من أن يبلغني شئ من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه . قال فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة ، قال فقمت منه قريبا فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله ، قال : فسمعت كلاما حسنا ، قال : فقلت في نفسي واثكل أمي ، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ! فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته . قال : فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته [ فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته ] ( 2 ) دخلت عليه فقلت : يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا وكذا - الذي قالوا - قال فوالله ما برحوا بي يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك ، فسمعت قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك : قال : فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام وتلا علي القرآن ، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه . قال : فأسلمت وشهدت شهادة الحق ، وقلت : يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي ، وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الاسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه . قال فقال : " اللهم اجعل له آية " قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر ( 3 ) ، وقع بين عيني نور مثل المصباح . قال فقلت : اللهم في غير وجهي ، فإني أخشى أن يظنوا بها مثلة ( 4 ) وقعت في وجهي لفراقي

--> ( 1 ) الكرسف : القطن . ( 2 ) ما بين معكوفين من ابن هشام . ( 3 ) الحاضر : الجماعة النازلون على الماء . ( 4 ) المثلة : يريد العقوبة والتنكيل .