ابن كثير

118

البداية والنهاية

[ له ] : يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا ، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق [ ويبكي ] وكانت له هيئة ، ونحن نتخوف . على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم ، فأته فمره بأن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء . قالت : فمشى ابن الدغنة إليه فقال [ له ] : يا أبا بكر ، إني لم أجرك لتؤذي قومك . وقد كرهوا مكانك الذي أنت به ، وتأذوا بذلك منك ، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت . قال : أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله . قال فاردد علي جواري . قال : قد رددته عليك . قالت : فقام ابن الدغنة فقال : يا معشر قريش ، إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري فشأنكم بصاحبكم . وقد روى الامام البخاري ( 1 ) هذا الحديث متفردا به وفيه زيادة حسنة . فقال : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، قال ابن شهاب ( 2 ) فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لم أعقل أبواي قط إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ، فلما ابتلي المسلمون ، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة ، حتى إذا بلغ برك الغماد ( 3 ) ، لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي ، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي . فقال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله ، إنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ( 4 ) ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . وأنا لك جار فارجع ، فاعبد ربك ببلدك . فرجع وارتحل معه ابن الدغنة ( 5 ) ، وطاف ابن الدغنة عشية في اشراف قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ؟ فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصل فيها وليقرأ ما شاء ، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به ، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا . فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر ، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ، ولا يستعلن بصلاته ، ولا يقرأ في غير داره . ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره [ وبرز ] ( 6 ) وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن ، [ فيتقذف عليه ] ( 7 ) نساء المشركين وأبناؤهم

--> ( 1 ) في 63 كتاب مناقب الأنصار ( 45 ) باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة فتح الباري 7 / 230 - 231 ، وأخرج جزءا من أول هذا الحديث في كتاب الصلاة ، وفي كتاب الإجارة . ( 2 ) من البخاري ، وفي الأصل ابن هشام وهو تحريف . ( 3 ) برك الغماد : موضع بناحية اليمن ، مما يلي ساحل البحر ، وقال ابن فارس : بضم الغين ، وقيل برك الغماد : موضع في أقاصي هجر . ( 4 ) تحمل الكل : هو ما يثقل حمله من القيام بالعيال ونحوه مما لا يقوم بأمر نفسه . ( 5 ) في دلائل البيهقي : فارتحل ابن الدغنة مع أبي بكر رضي الله عنه . ( 6 ) سقطت من الأصل وصحيح البخاري ، واستدركت من دلائل البيهقي . ( 7 ) من البخاري ، وفي الأصل فكان نساء المشركين ، يتقذف أي يتدافعون فيتساقطون ، ورواية المواهب : " فيتقصف " أي يزدحم . وما ورد في الحديث - بين معكوفين زيادة من البخاري ودلائل النبوة للبيهقي .