ابن كثير
105
البداية والنهاية
عز وجل ، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي ، والسلام على من اتبع الهدى . فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبجر سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته لا إله إلا هو الذي هداني إلى الاسلام ، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى ، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقرينا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين ، وقد بعثت إليك يا نبي الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله ، فإني أشهد أن ما تقول حق ( 1 ) . فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحالفهم فيما بينهم عليهم ، على أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحصرهم إياهم في شعب أبي طالب مدة طويلة ، وكتابتهم بذلك صحيفة ظالمة فاجرة ، وما ظهر في ذلك كله من آيات النبوة ودلائل الصدق . قال موسى بن عقبة عن الزهري : ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد ، واشتد عليهم البلاء ، وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية . فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ، وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله . فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم ، فمنهم من فعله حمية ، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا . فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجمعوا ( 2 ) على ذلك ، اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ، وكتبوا ( 3 ) في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا ولا يأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل . فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين ( 4 ) ، واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركوا لهم طعاما
--> ( 1 ) دلائل البيهقي ج 2 / 309 - 310 . ( 2 ) في دلائل البيهقي : واجتمعوا ، وما أثبتناه مناسب أكثر . ( 3 ) كتبها : منصور بن عكرمة العبدري كما في طبقات ابن سعد . راجع في تعاقد قريش على بني هاشم ، وبني المطلب وكتابتهم صحيفة هذا العقد : ابن هشام 1 / 371 ابن سعد 1 / 139 الطبري 2 / 325 النويري 16 / 258 السيرة الحلبية 1 / 449 الدرر في اختصار المغازي والسير ، وسبل الهدى والرشاد . ( 4 ) كان هذا العقد والحصار لبني هاشم وبني عبد المطلب في ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة وظلوا محاصرين إلى السنة العاشرة ، وقيل بل إلى السنة التاسعة .