ابن كثير
10
البداية والنهاية
* لو كان أحجاري مع الاحذاف ( 1 ) * يريد الأجداث . قال [ ابن هشام ] : وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم . قلت : ومن ذلك قول بعض المفسرين وفومها أن المراد ثومها . وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا ؟ وما ذلك الشرع فقيل شرع نوح وقيل شرع إبراهيم . وهو الأشبه الأقوى . وقيل موسى ، وقيل عيسى ، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به ، ولبسط هذه الأقوال ومنا سباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم . وقوله حتى فجئه الحق وهو بغار حراء أي جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى : ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ) [ النمل : 86 ] الآية . وقد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة وهي : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ) ( 2 ) وهي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير وكما سيأتي أيضا في يوم الاثنين كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : سئل عن صوم يوم الاثنين ؟ فقال : " ذاك يوم ولدت فيه ، ويوم أنزل علي فيه " ( 3 ) وقال ابن عباس : ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، ونبئ يوم الاثنين ( 4 ) . وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء : إنه عليه الصلاة والسلام أوحى إليه يوم الاثنين ، وهذا ما لا خلاف فيه بينهم .
--> ( 1 ) في سيرة ابن هشام : الأجداف . وزعم ابن جني أن جدف بالفاء لا يجمع على أجداف ( أنظر الروض الآنف ) . ( 2 ) أول سورة العلق . قال صاحب الظلال : مطلع هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن باتفاق ، والروايات التي تذكر نزول غيرها ابتداء ليست وثيقة . هذه البداية حادث ضخم بحقيقته وضخم بدلالته . فدلالته : في أنه تعالى ذو الفضل الواسع بفيض من عطائه ورحمته بلا سبب ولا علة . ودلالته أن الله تعالى أكرم الانسان كرامة لا يكاد يتصورها . وآثاره في حياة البشرية قد بدأت منذ اللحظة الأولى ، في تحويل خط التاريخ ، فقد تحددت الجهة التي يتطلع إليها الانسان ويتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه . هذه الحقيقة القرآنية الأولى التي تلقاها قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللحظة الأولى هي التي ظلت تصرف شعوره ، ولسانه وعمله بعد ذلك طوال حياته بوصفها قاعدة الايمان الأولى . 8 / 618 باختصار . ( 3 ) صحيح مسلم في 13 كتاب الصيام ( 36 ) باب حديث رقم 197 ومسند أحمد 5 / 297 - 299 السنن الكبرى للبيهقي 4 / 293 . ( 4 ) مسند أحمد ج 1 / 277 وهو في مجمع الزوائد 1 / 196 ونسبه لأحمد والطبراني في الكبير وقال : فيه ابن لهيعة ، وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح " .