ابن كثير

88

البداية والنهاية

تأدب عظيم في الخطاب والجواب : ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) [ أي ما قلت غير ما أمرتني عليه ] ( 1 ) حين أرسلتني إليهم وأنزلت علي الكتاب الذي كان يتلى عليهم ثم فسر ما قال لهم بقوله : ( أن اعبدوا الله ربي وربكم ) أي خالقي وخالقكم ورازقي ورازقكم ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني ) أي رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي فرحمتني وخلصتني منهم وألقيت شبهي على أحدهم حتى انتقموا منه فلما كان ذلك ( كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد ) . ثم قال على وجه التفويض إلى الرب عز وجل والتبري من أهل النصرانية ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) أي وهم يستحقون ذلك ( وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) . وهذا التفويض والاسناد إلى المشيئة بالشرط لا يقتضي وقوع ذلك ولهذا قال : ( فإنك أنت العزيز الحكيم ) ولم يقل الغفور الرحيم . وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) وقال : " إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لامتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا " ( 2 ) . وقال : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين . لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون . وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) [ الأنبياء : 16 - 20 ] وقال تعالى : ( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار . خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار ) [ الزمر : 4 - 5 ] . وقال تعالى : ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون ) [ الزخرف : 81 - 82 ] وقال تعالى : ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ) [ الاسراء : 111 ] وقال تعالى : ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) [ الاخلاص : 1 - 4 ] وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله تعالى : " شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك يزعم أن لي ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد " ( 3 ) وفي الصحيح أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا أحد أصبر على أذى سمعه

--> ( 1 ) ما بين المعكوفين سقطت من نسخ البداية المطبوعة . ( 2 ) مسند أحمد ج 5 / 149 والبخاري في صحيحه 8 / 215 فتح الباري وأبو داود الطيالسي في مسنده . ( 3 ) أخرجه البخاري في صحيحه 59 / 1 / 3193 فتح الباري وفي 65 / 112 / 4975 فتح وأخرجه النسائي في سننه .