ابن كثير

59

البداية والنهاية

[ آل عمران : 39 ] فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له : ( قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا ) [ مريم : 8 ] أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير قيل كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة والأشبه والله أعلم أنه كان أسن ( 1 ) من ذلك ( وكانت امرأتي عاقرا ) يعني وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم . كما قال الخليل : ( أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ) [ الحجر : 54 ] وقالت سارة : ( يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ) [ هود : 72 - 73 ] وهكذا أجيب زكريا عليه السلام قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه ( كذلك قال ربك هو علي هين ) أي هذا سهل يسير عليه ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ) أي قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئا مذكورا أفلا يوجد منك ولدا وإن كنت شيخا . وقال تعالى : ( فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ) [ الأنبياء : 90 ] ومعنى اصلاح زوجته : أنها كانت لا تحيض فحاضت . وقيل كان في لسانها شئ أي بذاءة ( 2 ) ( قال رب اجعل لي آية ) أي علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به ( قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ) يقول علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزا وأنت في ذلك سوي الخلق ، صحيح المزاج ، معتدل البنية . وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والابكار فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه ( فأوحى إليهم أن سبحوه بكرة وعشيا ) . والوحي ههنا هو الامر الخفي إما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي أو إشارة كما قاله مجاهد أيضا ووهب وقتادة . قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة اعتقل لسانه من غير مرض . وقال ابن زيد كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد . وقوله : ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا ) ، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا عليه السلام وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه ( 3 ) . قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال وذلك قوله : ( وآتيناه الحكم صبيا ) وأما قوله : ( وحنانا من لدنا ) فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا أدري ما الحنان . وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك ( وحنانا من لدنا )

--> ( 1 ) تقدم أنه كان ابن خمس وتسعين سنة . ( 2 ) قال في أحكام القرآن : قال أكثر المفسرين : وأصلحنا زوجه : إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا ، وقال ابن عباس وعطاء : كانت سيئة الخلق ، طويلة اللسان فأصلحها الله تعالى فجعلها حسنة الخلق . 11 / 336 . ( 3 ) قال قتادة : كان ابن سنتين أو ثلاث سنين ; وقال ابن عباس : من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا .