ابن كثير
43
البداية والنهاية
كيف شئت فتطيعني فأنا الله الذي ليس شئ مثلي . قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي . وإنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي ، ولا يعلم ما عندي غيري . وأنا الذي كلمت البحار ففهمت قولي ، وأمرتها ففعلت أمري ، وحددت عليها حدودا فلا تعدو حدي ، وتأتي بأمواج كالجبال ، فإذا بلغت حدي ألبستها مذلة لطاعتي وخوفا واعترافا لامري وإني معك ، ولن يصل إليك شئ معي ، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من أتبعك ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا . انطلق إلى قومك فقم فيهم وقل لهم إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء . وكيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي ؟ وكيف وجدتم مغبة معصيتي ؟ وهل وجدوا أحدا عصاني ؟ فسعد بمعصيتي ؟ أو هل علموا أحدا أطاعني فشقي بطاعتي ؟ إن الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة وتركوا الامر الذي به أكرمت آباءهم وابتغوا الكرامة من غير وجهها . أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وسنتي وعزوهم عني . فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي فهم يطيعونهم في معصيتي . وأما ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي وآمنوا مكري وغرتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي ونسوا عهدي ، فهم يحترمون كتابي ويفترون على رسلي جرأة منهم وغرة بي فسبحان جلالي وعلو مكاني ، وعظمة شأني هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي ؟ وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي ؟ وهل ينبغي لي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني ؟ أو آذن لاحد بالطاعة لاحد . وهي لا تنبغي إلا لي . وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني ، ويطيعونهم في معصيتي ، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي ، فهم جهلة بما يعملون لا ينتفعون بشئ مما علموا من كتابي . وأما أولاد النبيين ، فمقهورون ومفتونون ، يخوضون مع الخائضين ، يتمون مثل نصري آباءهم والكرامة التي أكرمتهم بها ، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم بغير صدق منهم ولا تفكر ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم . وكيف كان جهدهم في أمري حين اغتر المغترون ، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم بصروا وصدقوا حتى عز أمري وظهر ديني فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني . فتطولت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر ، وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون . وكل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض وألبسهم