ابن كثير
32
البداية والنهاية
بينهما ؟ قال : أربعون سنة " ( 1 ) ومعلوم أن بين إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام ، وبين سليمان بن داود عليهما السلام أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة وكان سؤاله الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس . كما قال الإمام أحمد ، والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز وجل خلالا ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة ، سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه ، وسأله ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فأعطاه إياه ، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه ، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها " ( 2 ) . فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله : ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) [ الأنبياء : 78 - 79 ] وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين ، أي رعته بالليل فأكلت شجرة بالكلية ، فتحاكموا إلى داود عليه السلام فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال : بما حكم لكم نبي الله ؟ فقالوا : بكذا وكذا فقال أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا ودرا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه ، ثم يتسلموا غنمهم ، فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به . وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبري : إنما ذهب بابنك . وقالت الصغرى : بل إنما ذهب بابنك . فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى ، فخرجتا على سليمان فقال ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه ، فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها " ( 3 ) . ولعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم ، ولكن ما قاله سليمان أرجح ، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه وإياه ومدح بعد ذلك أباه فقال : ( وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ) [ الأنبياء : 79 - 80 ] . ثم قال : ( ولسليمان الريح عاصفة ) أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ( تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء 10 - 40 ومسلم في المساجد 1 ، 2 والنسائي في مساجد 3 وابن ماجة في مساجد 7 ومسند أحمد ج 5 / 150 ، 156 ، 157 ، 160 ، 166 ، 167 . ( 2 ) أخرجه النسائي في مساجد - 6 - وابن ماجة إقامة 196 وأحمد في مسنده ج 2 / 176 . ( 3 ) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء 41 / 4 والقضاء 60 / 40 ورواه مسلم في 5 / 33 ، 30 / 20 والنسائي وأبو داود في سننيهما وابن ماجة في 28 / 14 وأحمد في مسنده 2 / 322 - 340 - 5 / 447 - 448 .