ابن كثير

27

البداية والنهاية

جاءها الكتاب مع الطير ومن ثم اتخذ الناس البطائق ، ولكن أين الثريا من الثرى ، تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له ، فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها ، فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها ( قالت يا أيها الملا إني القي إلي كتاب كريم ) ثم قرأت عليهم عنوانه أولا ( إنه من سليمان ) ثم قرأته : ( وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي واتوني مسلمين ) ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم ، وخاطبتهم ، وهم يسمعون ( قالت يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ) [ النمل : 32 ] تعني ما كنت لأبت أمرا إلا وأنتم حاضرون ( قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ) يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الابطال فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القادرين ( و ) مع هذا ( الامر إليك فانظري ماذا تأمرين ) [ النمل : 33 ] فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة ، وفوضوا إليها في ذلك الامر ، لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم ، فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم ، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع ( قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ) [ النمل : 34 ] تقول برأيها السديد إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الامر من بينكم إلا إلي ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا علي ( وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ) [ النمل : 35 ] أرادت أن تصانع عن نفسها ، وأهل مملكتها بهدية ترسلها ، وتحف تبعثها ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم ، والحالة هذه صرفا ولا عدلا لأنهم كافرون وهو وجنوده عليهم قادرون ولهذا ( لما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ) [ النمل : 36 ] هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة ، كما ذكره المفسرون ( 1 ) . ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون ( ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) [ النمل : 37 ] يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها إلي من قد من بها ، فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الأموال ، والتحف ، والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه ( فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ) [ النمل : 37 ] أي فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة ( وهم صاغرون ) عليهم الصغار والعار

--> ( 1 ) عن ابن عباس : بعث باثنتي عشرة وصيفة ، واثني عشر غلاما ، وعلى يد الوصائف أطباق مسك وعنبر ، وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لبن الذهب ، وبعصا كان يتوارثها ملوك حمير ; وبخرزتين إحداهما مثقوبة ثقبا معوجا والأخرى غير مثقوبة . وبقدح لا شئ فيه . ( من ذهب ) . [ قيل بعثت الهدية مع رجل من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو ] . أحكام القرآن 13 / 196 .