ابن كثير
148
البداية والنهاية
من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر الجعفي عن عكرمة أنه قال كان لقمان نبيا وهذا ضعيف لحال الجعفي . والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيما وليا ولم يكن نبيا ، وقد ذكره الله تعالى في القرآن فأثنى عليه ، وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الذي هو أحب الخلق إليه ، وهو أشفق الناس عليه فكان من أول ما وعظ به أن قال : ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) [ لقمان : 13 ] . فنهاه عنه وحذره منه . وقد قال البخاري : حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير : عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم ) [ الانعام : 82 ] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه ليس بذاك ألم تسمع إلى قول لقمان : ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) رواه مسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به . ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين وبيان حقهما على الولد وتأكده ، وأمر بالاحسان إليهما حتى ولو كانا مشركين ، ولكن لا يطاعان على الدخول في دينهما إلى أن قال مخبرا عن لقمان فيما وعظ به ولده ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ) [ لقمان : 16 ] ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبة خردل فإن الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب ويضعها في الميزان كما قال تعالى : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) وقال تعالى : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) [ الأنبياء : 47 ] وأخبره أن هذا الظلم لو كان في الحقارة كالخردلة ، ولو كان في جوف صخرة صماء ، لا باب لها ولا كوة ، أو لو كانت ساقطة في شئ من ظلمات الأرض أو السماوات في اتساعهما وامتداد أرجائهما ، لعلم الله مكانها ( إن الله لطيف خبير ) أي علمه دقيق فلا يخفى عليه الذر مما تراءى للنواظر ، أو توارى كما قال تعالى : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [ الانعام : 59 ] وقال : ( وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ) [ النمل : 75 ] وقال : ( عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) [ سبأ : 3 ] وقد زعم السدي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخرة ، الصخرة التي تحت الأرضين السبع وهكذا حكى عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمر وغيرهم وفي صحة هذا القول من أصله نظر . ثم إن في هذا المراد نظر آخر فإن هذه الآية نكرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال فتكن في الصخرة وإنما المراد فتكن في صخرة كانت كما قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله