ابن كثير

58

البداية والنهاية

البلد ، وقفز إليه الأميران ركن الدين بيبرس المجنون ، وبيبرس العلمي ، وركب إليه الأمير سيف الدين بكتمر حاجب الحجاب يشير عليه بالرجوع ، ويخبره بأنه لا طاقة له بقتال المصريين ، ولحقه الأمير سيف الدين بهادرا يشير عليه بمثل ذلك ، ثم عاد إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رجب وأخبره أن السلطان الملك الناصر قد عاد إلى الكرك ، فسكن الناس ورجع نائب السلطنة إلى القصر ، وتراجع بعض الناس إلى مساكنهم ، واستقروا بها . صفة عود الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون إلى الملك وزوال دولة المظفر الجاشنكير بيبرس وخذلانه وخذلان شيخه نصر المنبجي الاتحادي الحلولي لما كان ثالث عشر ( 1 ) شعبان جاء الخبر بقدوم الملك الناصر إلى دمشق ، فساق إليه الأميران سيف الدين قطلوبك والحاج بهادر إلى الكرك ، وحضاه على المجئ إليها ، واضطرب نائب دمشق وركب في جماعة من أتباعه على الهجن في سادس عشر شعبان ومعه ابن صبح صاحب شقيف أرنون ( 2 ) ، وهيئت بدمشق أبهة السلطنة والإقامات اللائقة به ، والعصائب والكوسات ، وركب من الكرك في أبهة عظيمة ، وأرسل الأمان إلى الأفرم ، ودعا له المؤذنون في المأذنة ليلة الاثنين سابع عشر شعبان ، وصبح بالدعاء له والسرور بذكره ، ونودي في الناس بالأمان ، وأن يفتحوا دكاكينهم ويأمنوا في أوطانهم ، وشرع الناس في الزينة ودقت البشائر ونام الناس في الأسطحة ليلة الثلاثاء ليتفرجوا على السلطان حين يدخل البلد ، وخرج القضاة ، والأمراء والأعيان لتلقيه . قال كاتبه ابن كثير : وكنت فيمن شاهد دخوله يوم الثلاثاء وسط النهار في أبهة عظيمة وبسط له من عند المصلى وعليه أبهة الملك وبسطت الشقاق الحرير تحت أقدام فرسه ، كلما جاوز شقة طويت من ورائه ، والجد على رأسه والأمراء السلحدارية عن يمينه وشماله ، وبين يديه ، والناس يدعون له ويضجون بذلك ضجيجا عاليا ، وكان يوما مشهودا . قال الشيخ علم الدين البرزالي : وكان على السلطان يومئذ عمامة بيضاء ، وكلوثة حمراء ، وكان الذي حمل الغاشية على رأس السلطان الحاج بهادر وعليه خلعة معظمة مذهبة بفرو فاخم . ولما وصل إلى القلعة نصب له الجسر ونزل إليها نائبها الأمير سيف الدين السنجري ، فقبل الأرض بين يديه ، فأشار إليه إني الآن لا أنزل ههنا ، وسار بفرسه إلى جهة القصر الأبلق ( 3 ) والأمراء بين يديه ، فخطب له يوم الجمعة .

--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة 8 / 265 : يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان . ( 2 ) من الجوهر الثمين 2 / 140 وفي الأصل " أربون " . ( 3 ) القصر الأبلق : بدمشق . أنشأه السلطان الملك الظاهر بيبرس سنة 666 ه‍ بالميدان الأخضر على نهر بردى . وأشرف على عمارته الأمير أقوش النجيبي نائب دمشق ، وظل عامرا تنزله الملوك إلى أن هدمه تيمورلنك سنة 803 ه‍ . ( السلوك 1 / 561 خطط الشام 5 / 285 ) .