ابن كثير

52

البداية والنهاية

واستمر الشيخ في الحبس يستفتي ويقصده الناس ويزورونه ، وتأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء وأعيان الناس ، فيكتب عليها بما يحير العقول من الكتاب والسنة . ثم عقد للشيخ مجلس بالصالحية بعمد ذلك كله ، ونزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير ، وأكب الناس على الاجتماع به ليلا ونهارا . وفي سادس رجب باشر الشيخ كمال الدين بن الزملكاني نظر ديوان المارستان عوضا عن يوسف العجمي توفي ، وكان محتسبا بدمشق مدة فأخذها منه نجم الدين بن البصراوي قبل هذا بستة أشهر ، وكان العجمي موصوفا بالأمانة . وفي ليلة النصف من شعبان أبطلت صلاة ليلة النصف لكونها بدعة وصين الجامع من الغوغاء والرعاع ، وحصل بذلك خير كثير ولله الحمد والمنة . وفي رمضان قدم الصدر نجم الدين البصراوي ومعه توقيع بنظر الخزانة عوضا عن شمس الدين الخطيري مضافا إلى ما بيده من الحبسة ، ووقع في أواخر رمضان مطر قوي شديد ، وكان الناس لهم مدة لم يمطروا ، فاستبشروا بذلك ، ورخصت الأسعار ، ولم يمكن الناس الخروج إلى المصلى من كثرة المطر ، فصلوا بالجامع ، وحضر النائب السلطنة فصلى بالمقصورة ، وخرج المحمل ، وأمير الحج عامئذ سيف الدين بلبان البدري التتري . وفيها حج القاضي شرف الدين البارزي من حماة . وفي ذي الحجة وقع حريق عظيم بالقرب من الظاهرية مبدأه من الفرن تجاهها الذي يقال له فرن العوتية ، ثم لطف الله وكف شرها وشررها . قلت : وفي هذه السنة كان قدومنا من بصرى إلى دمشق بعد وفاة الوالد ، وكان أول ما سكنا بدرب سعور الذي يقال له درب ابن أبي الهيجاء بالصاغة العتيقة عند الطوريين ، ونسأل الله حسن العاقبة والخاتمة آمين . وممن توفي فيها من الأعيان : الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الصالحي ، المعروف بالجالق ( 1 ) كان رأس الجمدارية في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب وأمره الملك الظاهر . كان من أكابر الدولة كثير الأموال ، توفي بالرملة لأنه كان في قسم إقطاعه في نصف جمادى الأولى ، ونقل إلى القدس فدفن به . الشيخ صالح الأحمدي الرفاعي شيخ المينبع ، كان التتر يكرمونه لما قدموا دمشق ، ولما جاء قطلوشاه نائب التتر نزل عنده ،

--> ( 1 ) الجالق : بفتح الجيم ، وهي كلمة تركية : اسم للفرس الحاد المزاج الكثير اللعب .