ابن كثير
362
البداية والنهاية
من الأعيان إلى الصمين وما فوقها ، فلما وصل إلى الكسوة كثر الناس جدا وقاربها قاضي القضاة الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج ، فلما أشرف من عقبة شحورا تلقاه خلائق لا يحصون كثرة وأشعلت الشموع حتى مع النساء ، والناس في سرور عظيم ، فلما كان قريبا من الجسورة تلقته الخلائق الخليفيين مع الجوامع ، والمؤذنون يكبرون ، والناس في سرور عظيم ، ولما قارب باب النصر وقع مطر عظيم والناس معه لا تسعهم الطرقات ، يدعون له ويفرحون بقدومه ، فدخل دار السعادة وسلم على نائب السلطنة ، ثم دخل الجامع بعد العصر ومعه شموع كثيرة ، والرؤساء أكثر من العامة . ولما كان يوم الجمعة ثاني شهر جمادى الآخرة ركب قاضي القضاة السبكي إلى دار السعادة وقد استدعى نائب السلطنة بالقاضيين المالكي والحنبلي ، فأصلح بينهم ، وخرج من عنده ثلاثتهم يتماشون إلى الجامع ، فدخلوا دار الخطابة فاجتمعوا هناك ، وضيفهما الشافعي ، ثم حضرا خطبته الحافلة البليغة الفصيحة ، ثم خرجوا ثلاثتهم من جوا إلى دار المالكي ، فاجتمعوا هنالك وضيفهم المالكي هنالك ما تيسر . والله الموفق للصواب . وفي أوائل هذا الشهر وردت المراسيم الشريفة السلطانية من الديار المصرية بأن يجعل للأمير من إقطاعه النصف خاصا له ، وفي النصف الآخر يكون لأجناده ، فحصل بهذا رفق عظيم بالجند ، وعدل كثير ولله الحمد ، وأن يتجهز الأجناد ويحرصوا على السبق والرمي بالنشاب ، وأن يكونوا مستعدين متى استنفروا نفروا ، فاستعدوا لذلك وتأهبوا لقتال الفرنج ، كما قال الله تعالى : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) الآية [ الأنفال : 60 ] . وثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال على المنبر " ألا إن القوة الرمي " ( 1 ) . وفي الحديث الآخر " ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي " ( 2 ) . وفي يوم الاثنين بعد الظهر عقد مجلس بدار السعادة للكشف على قاضي القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي بمقتضى مرسوم شريف ورد من الديار المصرية بذلك ، وذلك بسبب ما يعتمده كثير من شهود مجلسه من بيع أوقاف لم يستوف فيها شرائط المذهب ، وإثبات إعسارات أيضا كذلك وغير ذلك انتهى . الوقعة بين الأمراء بالديار المصرية وفي العشر الأخير من جمادى الآخرة ورد الخبر بأن الأمير الكبير يلبغا الخاصكي خرج عليه
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الامارة ح ( 167 ) وأبو داود في كتاب الجهاد باب ( 23 ) والترمذي في كتاب التفسير تفسير سورة ( 8 ) وابن ماجة في الجهاد باب ( 19 ) والدارمي في الجهاد باب ( 14 ) والإمام أحمد في المسند 4 / 157 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ( 23 ) وابن ماجة في الجهاد ، باب ( 19 ) والدارمي في الجهاد ، باب : 14 والنسائي في الخيل باب ( 8 ) .