ابن كثير
359
البداية والنهاية
السبت السادس عشر من صفر إلى الميدان الأخضر للاجتماع بنائب السلطنة ، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ بعد الفراغ من لعب الكرة ، فرأيت منه أنسا كثيرا ، ورأيته كامل الرأي والفهم ، حسن العبارة كريم المجالسة ، فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى ، فقال : إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك ، فقلت له : هذا مما لا يسوغ شرعا ، ولا يجوز لاحد أن يفتي بهذا ، ومتى كانوا باقين على الذمة يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار ، وأحكام الملة قائمة ، لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد - الفرد - فوق ما يبذلونه من الجزية ، ومثل هذا لا يخفى على الأمير فقال : كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك ولا يمكنني أن أخالفه ؟ وذكرت له أشياء كثيرة مما ينبغي اعتماده في حق أهل قبرص من الارهاب ووعيد العقاب ، وأنه يجوز ذلك وإن لم يفعل ما يتوعدهم به ، كما قال سليمان بن داود عليهما السلام : " ائتوني بالسكين أشقه نصفين " كما هو الحديث مبسوط في الصحيحين ، فجعل يعجبه هذا جدا ، وذكر أن هذا كان في قبله وأني كاشفته بهذا ، وأنه كتب به مطالعة إلى الديار المصرية ، وسيأتي جوابها بعد عشرة أيام ، فتجئ حتى تقف على الجواب ، وظهر منه إحسان وقبول وإكرام زائد رحمه الله . ثم اجتمعت به في دار السعادة في أوائل الشهر ربيع الأول فبشرني أنه قد رسم بعمل الشواني والمراكب لغزو الفرنج ولله الحمد والمنة . ثم في صبيحة يوم الأحد طلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه وهم قريب من أربعمائة فحلفهم كم أموالهم وألزمهم بأداء الربع من أموالهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وقد أمروا إلى الولاة بإحضار من في معاملتهم ، ووالي البر ( 1 ) قد خرج إلى القرايا بسبب ذلك ، وجردت أمراء إلى النواحي لاستخلاص الأموال من النصارى في القدس وغير ذلك . وفي أول شهر ربيع الأول كان سفر قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي إلى القاهرة . وفي يوم الأربعاء خامس ربيع الأول اجتمعت بنائب السلطنة بدار السعادة وسألته عن جواب المطالعة ، فذكر لي أنه جاء المرسوم الشريف السلطاني بعمل الشواني والمراكب لغزو قبرص ، وقتال الفرنج ولله الحمد والمنة . وأمر نائب السلطنة بتجهيز القطاعين والنشارين من دمشق إلى الغابة التي بالقرب من بيروت ، وأن يشرغ ؟ في عمل الشواني في آخر يوم من هذا الشهر ، وهو يوم الجمعة ، وفتحت دار القرآن التي وقفها الشريف التعاداني إلى جانب حمام الكلس ، شمالي المدرسة البادرائية ، وعمل فيها وظيفة حديث وحضر واقفها يومية قاضي القضاة تاج الدين السبكي انتهى والله أعلم .
--> ( 1 ) والي البر : كان اختصاص صاحب هذه الوظيفة شؤون ظواهر دمشق ، كما كانت وظيفة والي دمشق مختصة بشؤون المدينة نفسها ، وكان عمل كل من الوظيفتين هو التحدث في أمر الشرطة كما في سائر ولايات الشام ( التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص 358 ) .